Home»Enseignement»التفكر غير التفكير

التفكر غير التفكير

0
Shares
PinterestGoogle+
 

أكاد أجزم أن تلامذتنا وطلبتنا ، لا يميزون بين التفكير والتفكر ، و لا يعيرون لذلك أي اهتمام ، بل كثير ممن يهتمون بالحقل التعليمي والتربوي ، يرون أن التفكير والتفكر شيء واحد ، لا فرق بينهما ، بل هما في تصورهم كلمتان مترادفتان ، يحملان نفس المعنى ونفس الدلالة . ومن ثم فهم يستعملون كلمة التفكر بمعنى كلمة التفكير والعكس صحيح ، دون الانتباه إلى أن الفرق في المعنى والدلالة بين الكلمتين شاسع .

فما ه التفكير ؟ وما هو التفكر ؟ وما هو الفرق بينهما ؟ وما هي خصائص كل منهما؟ وما هي العمليات العقلية ، التي تجمع بينهما ، باعتبار كل منهما عملية عقلية ناتجة بالضرورة عن العقل ؟

إن التفكير عملية عقلية تهتم بالأفكار وتعمل على إنتاجها – إما بوعي أو بدونه – محاولة بذلك إيجاد حل لإشكالية أو معضلة تؤرق صاحبها ، أو تبحث عن جواب لسؤال محير ، أو تعمل على اتخاذ قرار أو موقف من أمر ما يشغل البال ، على وجه السرعة وبلا تريث ، ودون الاهتمام بالمنطق ولا بالتسلسلات المنطقية ، فدور المنطق في عمليات التفكير ثانوي ويكاد أن يكون منعدما ، لأن التفكير غالبا ما ينطلق من الهوى وما تمليه النفس ويعمل على تحقيق المنفعة المادية الخاصة ، العاجلة والقريبة .

وعلى هذا الأساس فعملية التفكير يمكن أن يمارسها الجاهل الأمي وقد يتقنها بنفس الدرجة التي يمارس بها المتعلم أو العالم عملية التفكير نفسها مع فارق بسيط أو قريبا من ذلك . فمثلا كل من الأمي والعالم يعرف هدفه ومصالحه المادية ، ويحددها بدقة ، وكل منهما يعرف ويميز بين الخير الذي ينفعه والشرير الذي يضره ، وكل منهما يتحايل للإيقاع بخصمه والتغلب عليه دون مراعاة للجانب الإنساني أو الأخلاقي أو لموقف الدين . المهم هو المصلحة والمصلحة الخاصة فوق كل اعتبار بالنسبة إليه … أضف إلى ذلك معرفتهما بشكل يكاد أن يكون متساو بينهما في المهارات والتقنيات التجارية والصناعية والفلاحية وفي هندسة البناء والري وكل ما له علاقة بمعيشتهما وحياتهما وأنشطتهما اليومية . ويبقى الاختلاف بينهما طبعا في فهم وإتقان بعض المعارف النظرية والمهارات التطبيق الدقيقة . فلاختلاف بينهما إذن، يبقى على مستوى المعرفة والعلم والجهد والإتقان ، لا على مستوى التفكير والإدراك والتقدير .

إن التفكير قد يمكن صاحبه من معرفة الحقيقة والحق و معرفة الحلال والحرام وما هو أخلاقي والغير أخلاقي ومع ذلك ، فقد يتشبث بالباطل والظلم ويسانده استجابة لهوى في النفس أو لمصلحة آنية أو لطمع في جاه السلطان ونفوذه أو اتقاء للشر وجلب المصلحة … وهذا النوع من التفكير قد ذمه القرآن الكريم في شخص الوليد بن المغيرة ، لأنه قدم مصلحته الآنية العاجلة وهي الاحتفاظ بمكانته الاجتماعية داخل المجتمع القرشي ، على الإقرار بما يعلم من حقيقة ما ينزل من الآيات الكريمة ، فشهد شهادة ظلم وباطل، وهو الذي شهد لأصحابه الكبار من كفار قريش ببلاغة القرآن الكريم ، لأنه كان يعرف ويعلم علم اليقين في قرارة وعمق نفسه ، بأن القرآن الكريم هو وحي من الله سبحانه وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكنه فكر في إيجاد حيلة تنطلي على الدهماء والعامة فيصدقونها ويرضونها ويعجبون بها ، فقال بأن القرآن الكريم سحر يوثر وأنه مجرد قول بشر ولم يصدر هذا الحكم منه عن جهل ولا عن عدم قناعة لانتفاء الحجة لديه ، بل عنادا واستكبارا { كلا إنه كان لآياتنا عنيدا } ( المدثر آية 16 ) . إن الوليد في حكمه على القرآن الكريم بالسحر ، كان صادرا ومستنبطا من حديث النفس ووسوستها ، التي صادفت رغبة وهوى داخلي يلتمس الباطل ويصبو إليه وينصرف عن الحق والحقيقة ، طلبا لرضا القوم الضال المنحرف . لقد كشف القرآن الكريم وفضح هذا النوع من التفكير التبريري الميال للجحود وتزيين الباطل وإظهاره مقابل طمس الحق وإخفائه ، فذمه وذم صاحبه فقال : { إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبصر ثم أبدر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يوثر إن هذا إلا قول البشر … } ( سورة المدثر آية 18 – 25 ) .

صحيح إن التفكير كنشاط فطري طبيعي ، لا غنى عنه في حياتنا اليومية وخاصة فيما يتعلق بآلياته وأدواته كالملاحظة والمقارنة والتصنيف والتحليل والتركيب وإيجاد ووضع الفرضيات واستخلاص القواعد والقوانين وربط الأسباب بالنتائج واستنباط واستخلاص المجهول من المعلوم … وغيرها من العمليات التي تساعدنا على فهم وحل المشكلات وخاصة منها المادية .. ولكن التفكير _ مع كل هذه الآليات التي هي في الوقع قواعد للضبط ، وضعت خصيصا لتحول بين التفكير والانحراف أو الزلل عن الحق _ يتسرع ولا يتروى ويعاند ويستكبر ولا يتورع عن التمويه والتحايل قصد الترويج لمقاصده ويتعمد نكران الحقيقة ولا ينصاع إلى الحق ، طمعا في تحقيق المصلحة والمنفعة والمآرب الخاصة .

يشترك كل من التفكير والتفكر في كونهما عملية عقلية ، ولكن التفكر يتميز عن التفكير بعدة خصائص منها : استخدام المنطق بوعي كامل متخذا مادة التفكير ذاتها موضوعا للبحث والتقصي والتدقيق للوصول إلى المعرفة العميقة والسليمة من الخطإ والتهافت وخاصة في المجال الغيبي والروحي .

إن التفكر هو في الواقع ، مرحلة عليا من التفكير، لكونه ملتزم بالحق ضد الباطل وبالإيجاب ضد السلب وبالخير ضد الشر وبالمفيد النافع ضد الضار … التفكر ، يؤمن بالمنطق ولا يحيد عن المبادئ المنطقية التي تعصم العقل من الوقوع في الأخطاء أو الزلل أو الانحراف ولا يخضع للهوى ولا يحابيه ، ولا لما تمليه النفس ويزينه الشيطان ويوحي به ، ولو اجتمعت الدنيا ضده . ميزته أنه لا يعاند ولا يكابر ، بل يخضع وينقاد دائما إلى الحق ويتشبث به ولا يتنازل عنه لصالح الباطل ، ولو كانت العواقب وخيمة والنتائج لا ترضي معارضيه وأعدائه، وهذا ما يدفع التفكر ، بل يحتم عليه التشبث بإعمال العقل والتركيز والتدبر والتأمل بوعي وتروي وأخذ الحيطة والتريث وعدم التسرع _قبل أخذ القرارات المصيرية وإصدار الأحكام الفورية الجائرة _ وهذه المنهجية التي يتبعها التفكر هي التي تمنع وتحول بينه وبين السقوط في الهفوات والضلال والأخطاء القاتلة ، التي من شأنها أن تبعد عن الحق والصواب وتعادي الحقيقة والعدل والإنصاف ،

إن هذه الخصائص وغيرها ، هي التي تميز بها التفكر عن التفكير وجعلت منه سببا للإيمان ، وجعلته يلتزم بالطاعة لأمر الله وشرعه والانقياد للحق . يقول الأستاذ الدكتور حسن الأمراني في مقال له نشر تحت عنوان لآلئ وأصداف – الوراثة الكبرى 2 بالمحجة في 17ماي 2016 { ويقرن كتاب الله تعالى التفكر بلب الحق ويجعاه سببا إلى الإيمان ، ولزوم الطاعة والانقياد للحق }

إن كلمة  » يتفكرون  » تكررت في القرآن الكريم ثماني عشرة مرة كلها امتدحت التفكر وأهله وذمت التفكير وأصحابه ، الشيء الذي لم يترك مجالا للشك في كون التفكر يختلف عن التفكير ويتميز عنه أذكر من هذه الآيات على سبيل المثال لا الحصر : قوله سبحانه وتعالى [ الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ] ( آل عمران آية 191) . وقوله [ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ( الأنعام آية 50 ) وقوله سبحانه وتعالى : [ ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ]

(النحل آية11 ) وقوله : [ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ] ( النحل آية 44 ) وقوله : [ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ] ( الحشر آية 21 ) وقوله : سبحانه وتعالى [ قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكرون ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ] ( سبأ آية 46 )

يعيب أ.د حسن الأمراني _ مع بعض الاستغراب والدهشة _ على المفسرين : أمثال السمعاني ، الشوكاني ، الميرغاني ، سيد قطب ، الطبري ، فخر الدين الرزازي ، الطناوي والسيوطي… والقائمة تطول كونهم لم يعطوا أي اهتمام للتمييز بين مادة فكر وتفكر ، فيقول : { والغريب أننا نجد بعض المفسرين ، أثناء تعرضهم لآيات التفكر ، يضعون لفظ التفكير موضع ( التفكر ) دون أن ينتبهوا ،أو يشعروا بأي حرج فيما يفعلون . وبعضهم يقول إن التفكر هو التفكير ، وينتهي . وبعضهم يقول إن التفكر ظاهر ( المعنى ويريح نفسه من التفكر في لفظ التفكر ) وحتى أصحاب التفسير الإشاري ، فيما وصل إليه علمي ، لم يقولوا شيئا في التفكر ، فهم يجعلون التفكير والتفكر شيئا واحدا ، رغم أننا لا نجد في القرآن الكريم : لعلكم تفكرون } ( المرجع السابق ) .

ويبقى في النهاية النص والتأكيد ، على أن القرآن الكريم ، حث على التفكر ومدحه وأثنى عليه وأمر به . بل جعل منه عبادة ، يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى ، بدليل قوله سبحانه : [ أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون ] ( سورة الروم آية 8 )

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.