Home»National»ندوة التطرف العنيف بين نبذ الإقصاء والوقوع فيه

ندوة التطرف العنيف بين نبذ الإقصاء والوقوع فيه

0
Shares
PinterestGoogle+
 

أحمد الجبلي
على غرار الندوة الوطنية التي انعقدت بالرباط حول التطرف العنيف، يوم 11 ماي 2017، والتي جعلت التطرف الديني أحد محاورها الأساسية في إطار تشخيص (الظاهرة)، ارتأينا أن نسجل وجهة نظرنا في الموضوع ونسجل ملاحظات أهمها غياب مؤسسة دينية رسمية للحديث في موضوع التطرف الديني، حيث توزعت المحاور شخصيات مغربية من توجهات وخلفيات مختلفة وهي خديجة رياضي، أحمد عصيد، محمد الساسي، والأنصاري أحمد بوعشرين.
كما أن الهيئات التي استدعيت للمشاركة في هذه الندوة وصلت إلى 22 هيئة جمعت بين هيئات حقوق الإنسان وحماية المال العام والحريات العامة والإعلام والتعبير والسجون والتعذيب…ولا وجود لأي مؤسسة دينية من بين هؤلاء.
وكما هو معلوم، لا أحد يتحدث عن التطرف إلا ألصقه بالدين، أي « التطرف الديني » وقد جرى الحديث بحر هذا الأسبوع عن وجود ثلاثة أسطر في مقرر دراسي من بين 29 مقررا دراسيا في مادة التربية الإسلامية اعتبرت جملا عنيفة. وتعومل مع الأمر كأنه اكتشاف لنيزك أرضي سيفجر الأرض والسماء.
أي لا يمكن الحديث عن التطرف إلا وكان الدين فيه محورا هاما سواء كداء حين الجهل به وبتعاليمه أو كدواء وعلاج لظاهرة التطرف.
فالتطرف الديني كان أحد المحاور التي تم تداولها في الندوة، ولكننا نسجل استغرابنا بشدة لماذا لم يتم استدعاء مؤسسة دينية كي تتحدث في الموضوع الذي يعتبر جوهر خبرتها وتخصصها، لماذا لم يتم استدعاء المجلس العلمي الأعلى ليكون أحد المشاركين في هذه الندوة؟ أو الرابطة المحمدية لعلماء المغرب، أو وزارة الأوقاف بوصفها الوزارة الوصية عن الشأن الديني في المغرب.
لقد جاء في البلاغ الإخباري للندوة:  » في إطار اتساع دعوات التطرف العنيف من قبل أفراد وجماعات سرا وعلانية في العديد من مناطق العالم، والمغرب لا يسلم من ذلك، وهي الدعوات التي باتت تهدد الحرية والحياة العامة والاستقرار المجتمعي… »  كما جاء فيه قولهم: « قصد تشخيص أسباب التطرف العنيف ونتائجه الخطيرة على العيش المشترك لمختلف مكونات الشعب المغربي باختلافها وتنوعها، ولبلورة المقترحات التي قد تساعد في الحد من انتشار هذا العنف الذي يهدد مجتمعنا… »
نلاحظ من خلال ما ورد في البلاغ حديثا عن استقرار المجتمع، والعيش المشترك، وكأن لا دخل للدين ولا دور له يلعبه في تحقيق هذه الأهداف التي حددتها الندوة وأصحابها. في الوقت الذي نجد فيه في أكثر من تسعين في المائة عندما يتحدث العالم عن التطرف والعنف فهو يلصقه بالدين، ولا أخفي بعضا من ظني أن أصحاب الندوة اكتفوا بعنوان « التطرف العنيف » عوض التطرف الديني » تفاديا لأي اصطدام أو ضجة، والدليل أن الدين كان حاضرا بقوة في أكثر المداخلات، حتى أن أحدهم ذهب يدعو لتدريس باقي الديانات من غير الإسلام في برامجنا التعليمية، ومن الدلائل كذلك أن لا أحد كان يتحدث عن التطرف العنيف عندما كانت العديد من التيارات تمارس العنف الثوري في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وقد عانت الجامعات المغربية الويلات من تيارات راديكالية مارست القتل والإرهاب والإقصاء، ولم يكن أحد حينها يتحدث عن وجود تطرف ولا عن عنف بل سموه العنف الثوري لإضفاء الشرعية عليه. ولكن منذ أن ظهرت الصحوة الإسلامية قوية فتعرت جميع التيارات العلمانية والقومية في الوطن العربي، حينها بزغ مصطلح التطرف والمراد به كل ما هو ديني. مع العلم أن الدين الإسلامي هو الدين الوحيد الذي تحدث عن التطرف وشجبه ورفضه سواء في اتجاه الخير أو اتجاه الشر. لقد رفض رسول الله أولائك الثلاثة نفر الذين تطرفوا في العبادات وهي خير، فقال لهم: والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له، ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني. ومعنى هذا أن الدين الإسلامي جعل الوسطية سنة الأنبياء ولا رهبانية في الإسلام وهي خير وتقرب إلى الله ولكن التطرف مرفوض في الإسلام كيفما كان. أما عن الحديث عن العنف فلا يتحدث الإسلام عن التطرف فيه، لأن من الغباء أن تتحدث الندوة عن التطرف العنيف، فماذا لو لم يسرف هذا العنيف في عنفه وقوته؟ فالإسلام يحرم مجرد التلويح بسكين في وجه إنسان. ويحرم ترويع الآمنين، فلا عبث بالأمن في الإسلام، لا مزحا ولا ضحكا ولا عبثا.
إذن، كيف يظن أصحاب الندوة أنهم سيعالجون موضوع العنف، و يشخصون أسبابه ونتائجه الخطيرة على العيش المشترك لمختلف مكونات الشعب المغربي باختلافها وتنوعها، ويعملون على بلورة المقترحات التي قد تساعد في الحد من انتشار هذا العنف الذي يهدد مجتمعنا. كيف يمكن لهم هذا في إطار تغييب الدين والمؤسسات الدينية، كيف يتحقق هذا في إطار تغييب دور العلماء الذين هم مصابيح الأمة، وبدونهم تعمه الأمة في ظلام الجهل والأمية، وتغييب دور المسجد، ودور الخطيب، ودور الواعظ، ودور جميع المؤسسات التي تشتغل بنشر الوعي الإسلامي.
إني أتساءل عما ستسفر عنه مقترحاتهم من أجل القضاء على العنف، فماذا عساهم يقترحون؟ هل سيعملون على سن قوانين زجرية للحد من ذلك؟ هل سيقومون بتعبئة شاملة للشعب المغربي دارا دارا وزنقة زنقة؟
لما كل هذا التعب، وفي بيت كل مغربي كتاب جليل القدر من رب العالمين يقرأ المغربي فيه ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾
والله إنها آية تقشعر منها الأبدان، فمجرد السخرية مرفوضة، مناداة الناس بألقاب لا يحبونها مرفوضة شرعا، ومن يفعل ذلك سماه الله تعالى ظالما، هل هناك قانون في هذا الكون يجرم هذه التمهيدات البعيدة كل البعد عن العنف، بل هو يجفف جميع السبل والمسالك التي تؤدي إليه، وفي المقابل يأمر الناس بقوله ( وقولوا للناس حسنى) كما يأمرهم بحسن المعشر والابتسامة والتعاون على الخير وينهاهم على التعاون على الفحشاء والمنكر والبغي…
إن مجرد الظن السيء بأخيك مرفوض قطعا، لأن مجرد الظن يرمي بك في مهالك التجسس حتما والتجسس من شأنه أن يجعلك تنشر ما رأيت وما لم ترى فتقع في المحذور وهو الغيبة. وإذا علم أخوك فعلتك سيقع العنف ويقع الاقتتال. ولهذا فالله تعالى بأوامره يجعلنا نئد جميع المقدمات الأولى في مهدها والتي تؤدي إلى العنف وهي هنا سوء الظن.
ولكن، من سيعمل على إيصال هذه المعاني الرائعة وغيرها كثير للناس إذا أحجم دور العلماء وأقصوا من مثل هذه الندوات؟ ومن سيعمل على جعل القلوب تخشع لله تعالى فتعلم أن هناك يوما يسمى اليوم الآخر الذي مجرد الإيمان به يفي بأن يجعل الناس تقف عند حدود الله ولا تعتدي، غير الخطيب والواعظ والفقيه؟
أعتقد أن عقد ندوات وطنية أو دولية أو حتى كونية لمحاربة العنف أو التطرف لن تجدي نفعا ولن تحقق نتيجة مادامت تعمل على تهميش الدين ولا تعترف بدوره الحاسم في توفير الرضا في القلوب والتوازن في العقل، والراحة والطمأنين في النفس. ومن غريب الأمور أن هذه الندوة قد شجبت الإقصاء ونددت به على أساس أنه أحد أهم المدخلات للعنف لكونه يولد التباعد والكراهية ولا يحقق الحوار من أجل التقارب والانسجام، وإذا بها هي نفسها تقع فيه وذلك بإقصائها لأهم فاعل مجتمعي له أجوبة مقنعة ورؤى وتصورات كافية لتضع حدا لهذا العنف الذي يتحدثون عنه.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.