أسباب الاغتياظ والامتعاظ من ظاهرة الاكتظاظ في المؤسسات التربوية


     2


 

أسباب الاغتياظ  والامتعاظ من ظاهرة الاكتظاظ في المؤسسات التربوية

محمد شركي

مع انطلاق كل موسم دراسي يثار موضوع  ظاهرة اكتظاظ الفصول الدراسية في المؤسسات التربوية ، ويتساءل الرأي العام عن حقيقة هذه الظاهرة التي تقلق الآباء والأمهات وأولياء أمور المتعلمين ، في حين لا تبالي بها الوزارة الوصية على التربية . والاكتظاظ مصدر مشتق من فعل كظ  ، ويقال كظ الطعام فلانا إذا ملأه حتى صار لا يطيق التنفس ، واكتظ فلان من الطعام إذا امتلأ . والكظة ـ بكسر الكاف ـ أو المكظة  ـ بفتح الميم ـ هي البطنة أو المتخمة . ويقال أيضا كظ السيل بالماء إذا ضاق به لكثرته . واكتظ المحل إذا امتلأ بالناس . والكظيظ هو الممتلىء من كل شيء . ويستعمل هذا الفعل استعمالا معنويا أيضا فيقال  كظ الغيظ صدره إذا ملأه . ويقال للمغتاظ أشد الغيظ  الكظ والمكظظ ، وهو أيضا الذي تبهظه الأمور حتى يعجز عنها .  ومن خلال دلالة هذه المادة اللغوية يفهم من الاكتظاظ  في كل شيء تجاوز الحد سواء تعلق الأمر بما هو مادي أو بما هو معنوي . ولا يتناطح كبشان أو عنزان أو ظبيان في أن الاكتظاظ يدل  لغة على تجاوز الحد إلا أن التناطح يكون بسبب الاختلاف حول طبيعة الحد في كل شيء . فالناس  إذا ما كظهم الطعام أو اكتظوا منه لا يكون امتلاؤهم  منه واحدا ، فمنهم من لا يطيق التنفس بمجرد إصابة بعض اللقيمات في حين لا يضيق التنفس بالأكول إلا باتهام العديد من أطباق وصحون  الطعام ، والأمر هنا يتعلق باختلاف مفهوم بلوغ  الحد بين الناس في الأكل . وكذلك الشأن بالنسبة للكظ والمكظظ من الناس، والذي يشتد غيظه ويتجاوز الحد ، فمن الناس من يغتاظ لأمر قد لا يبالي به غيره ، والقضية هنا أيضا متعلقة بالاختلاف في تحديد حد  ما يبلغه الغيظ  عند كل واحد .

وعندما يتعلق الأمر بما هو مادي كالحيز المكاني يقع الاتفاق بين الناس على  معنى امتلائه أو تجاوز الحد في طاقته الاستيعابية . والفصول الدراسية عبارة عن فضاءات هندسية تحكمها أبعاد الطول والعرض والمساحة . ومعلوم أن الفصول الدراسية تحتوي على مقاعد لها هي الأخرى أبعاد الطول والعرض والمساحة، فإذا قسنا أبعاد الطاولات وأبعاد الفصول الدراسية أمكننا معرفة  أو حساب ما يمكن أن تستوعبه هذه القاعات من الطاولات بدقة متناهية . وإذا ما تجاوز عدد الطاولات الحد في القاعات قلنا حينئذ إن القاعات كظتها الطاولات أو اكتظت بالطاولات. ومعلوم أن كل طاولة تسع متعلمان اثنان إذا ما تعلق الأمر بالطاولات المعهودة في مؤسستنا التعليمية العمومية . وإذا ما زاد عدد المتعلمين على حد ما تسع الطاولات كان ذلك اكتظاظا .  ولما كانت مساحات الفصول الدراسية متفاوتة فلا يمكن اعتماد عدد معين من المتعلمين كحد إذا ما تم تجاوزه صار الأمر اكتظاظا، لهذا يختلف الاكتظاظ باختلاف الفصول الدراسية ، ولهذا لا يحصل الاتفاق حول مفهوم الاكتظاظ  بين الوزارة الوصية من جهة والمدرسين وأولياء أمور المتعلمين من جهة ثانية، ذلك أن الوزارة لا ترى اكتظاظا إذا كان عدد المتعلمين بعدد الطاولات في الفصل الدراسي ، بينما يرى المدرسون والأولياء عكس ذلك ،ولكل طرف منهم تبريره  وهي تبريرات لا تخرج عن إطار نشدان  كل طرف منفعته ومصلحته  ، سواء كانت منفعة المدرسين أو كانت منفعة المتعلمين وأولياء أمورهم . والمبرر الغالب عند المغتاظين من الاكتظاظ  سواء كانوا مدرسين أم أولياء أمور هو ضعف المردودية التي تعزى إلى الاكتظاظ ،علما بأن المردودية  تتحكم فيها عوامل متعددة كالمناهج، والبرامج ،والمقاربات، والوسائل من كتب ووثائق  ومختبرات وتجهيزات ووسائط … إلى  غير ذلك ،فضلا عن عامل بذل الجهد من طرف المدرسين والمتعلمين على حد سواء إ ذ يختلف هؤلاء في بذل الجهد ، وهم ليسوا على مقياس واحد في بذل الجهد . وقد يكون عدد تلاميذ الفصل الدراسي بعدد مقاعده ،الشيء الذي لا تعتبره الوزارة الوصية اكتظاظا  في حين يعتبره المدرسون وأولياء أمور المتعلمين اكتظاظا، و مع ذلك لا يؤثر في المردودية ،بينما قد لا يمتلأ الفصل الدراسي بالمتعلمين أو لا يكون فيه اكتظاظ ،ومع ذلك تقل وتضعف  المردودية، وهو ما يؤكد قطعا وجود عوامل مؤثرة في المردودية  من غير الاكتظاظ بصرف النظر عن تقديرات الوزارة والمدرسين وأولياء أمور المتعلمين للاكتظاظ . ومما يحعل المدرسين يستاءون مما يعتبرونه حسب تقديرهم اكتظاظا هو عدم انضباط المتعلمين داخل الفصول الدراسي، الشيء الذي يؤثر سلبا على سير الدروس العادي ، ويصعب من مهام المدرسين الذين يصرفون وقتا معتبرا في معالجة ظاهرة عدم انضباط تلاميذهم .

ومما يشكو منه المدرسون والمتعلمون على حد سواء تقلص فرص المشاركة في الدروس ،وهي فرص تقل كلما زاد عدد تلاميذ الفصل خصوصا في بعض المواد التي يتوقف التعلم فيها على المشاركة كما هو الشأن بالنسبة لتعلم اللغات على سبيل المثال. وتترتب عن تقلص فرص المشاركة ظاهرة  اكتفاء  المدرسين  بالتعامل مع فئة محدودة من المتعلمين المتفوقين ، والاقتصار على مشاركتهم التي تكون في الغالب موفقة ، وهو ما يساعد المدرسين على اعتماد وتيرة سريعة لإنجاز الدروس وإنهاء المقررات في المواعيد التي تحددها الوزارة أو قبل حلولها. وينتج عن ذلك غياب تكافؤ الفرص بمشاركة عدد كبير من المتعلمين داخل الفصل الواحد، الشيء الذي يساهم في عدم انضباط هؤلاء وكأنهم يعبرون بذلك عن تدمرهم  واستيائهم من إقصائهم من المشاركة خصوصا الفئات الضعيفة دراسيا، وهي الفئات الغالبة إذ لا يزيد عدد المتفوقين  في الفصول الدراسية عن عدد أصابع اليد، الشيء الذي يجعل وتيرة الدروس سريعة حين يقتصر المدرسون على الاشتغال معهم فقط ، وهي وتيرة لا تناسب الضعاف من المتعلمين ، ولا تحقق تعلمهم  ولا تكافؤ الفرص فيما بينهم. وقد يغتاظ المدرسون مما يعتبرونه اكتظاظا  في الفصول الدراسية لما فيه من أعباء  كتصحيح الواجبات على سبيل المثال .  وقد يضيق المدرسون ذرعا من الأجواء التي تعم الفصول الدراسية المليئة عن آخرها خصوصا عندما تسد نوافذها بسبب القر أو عندما يشتد الحر حيث  تختلط روائح الصنان بروائح الجوارب والأحذية خصوصا الرياضية منها بعد حصص التربية البدنية إلى جانب روائح أخرى مما ينبعث من الأجساد والأفواه . وقد تخالط هذه الروائح روائح أنواع العطر المتختلفة  مما يسبب الدوار لمن يستتشقها . وبناء على ما تقدم لا بد من حصول تفاهم واتفاق  بين الوزارة الوصية  وموظفيها خصوصا المدرسين  بخصوص أعداد التلاميذ في الفصول الدراسية ،وذلك مع الحرص على مراعاة مصالح المتعلمين بالدرجة الأولى الصحية والنفسية  فضلا عن مراعاة ظروف تحصيلهم التي يجب أن تحقق  جودة المردودية خصوصا مع رفع الوزارة شعار الجودة . فكم من فصول دراسية مليئة عن آخرها تنتشر فيها أوبئة كما هو الشأن بالنسبة لوباء الزكام أو الأنفولنزا المعدي على سبيل المثال فيؤثر ذلك على التحصيل  بسبب ظاهرة الغياب  التي تعزى  لهذا الوباء، والذي يغيب العديد من التلاميذ لأكثر من أسبوع دراسي بسببه ،  فيزيد ذلك من عدد أيام العطل مما يؤثر على سير الدروس بالنسبة للمرضى من المتعلمين . أما إذا انتقلت العدوى إلى المدرسين، فإن الدراسة تتوقف نهائيا بسبب غيابهم . ومن خلال ما تقدم  يتبين أن الذين يحصرون اكتظاظ الفصول الدراسية في أرقام معينة يجانبون الصواب ، ولا يلامسون حقيقة ظاهرة الاكتظاظ وتفاعلاتها والتي تقتضي  دراسة جادة وموضوعية  بعيدا عن المزايدات  بين  مختلف الأطراف . وأخيرا نعتقد أن الاغتياظ أوالامتعاظ من ظاهرة الاكتظاظ سيظل قائما ما لم  تصل الأطراف المعنية إلى توافق فيما بينها حول الحد الذي لا يجب ألا يتجاوز في الفصول الدراسية ،الشيء الذي سيضع  دون شك حدا لمختلف التبريرات من هذا الطرف أو ذاك للتنصل من مسؤولية ضعف المردودية التي  من شأنها أن تفرغ العملية التعليمية من محتواها ،وتعطل  بذلك قطار التنمية المنشودة.

محمد شركي


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

2 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. استاذ
     

    مع الاسف استاذي رغم تفصيلك في الموضوع واحاطته من كل جوانبه لم تبدي رايك على الاقل كاستاذ اشتغل بالقسم ما هي النسبة التي تراها مناسبة انطلاقا من تحليلك

     
  2. محمد شركي
     

    جوابا على تعليق الأستاذ الكريم أقول الاكتظاظ عندي هو حين لا أستطيع تأدية وظيفتي كما يرضى عن ذلك الله عز وجل وضميري

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*