من يحاسب الذين يحاسبون غيرهم بسبب ما يعتقدون؟


    


 

من يحاسب الذين يحاسبون غيرهم بسبب ما يعتقدون؟

محمد شركي

أثارت قضية رفض وزارة الداخلية ملف ترشيح سلفي التوجه لخوض الانتخابات التشريعية جدلا كبيرا لدى الرأي العام الوطني ، وانقسم هذا الرأي إلى مؤيدين لهذا الرفض ومعارضين له ،علما بأنه وراء الرفض والتأييد مصالح حزبية غير خافية . وبعيدا عن التخندق  في خندق الرفض أو خندق التأييد نطرح  موضوع أو قضية  حق المواطن المغربي  مهما كانت قناعاته  أو توجهه الفكري في الترشيح للانتخابات التشريعية. فمن المعلوم أنه لا يمكن لأحد أن ينكر أن المغاربة تختلف قناعاتهم وتوجهاتهم الفكرية ولا ينكر ذلك إلا  جاحد أو معاند . فالمغرب يضم اليساري واليميني ،و المتدين و العلماني واللائكي ،والأصولي والحداثي ، والمعتدل والمتطرف ، والراضي عن الوضع والساخط عنه ، واليائس والمؤمل ، والمهتم واللامبالي ، والمتفرج والمنخرط ، والنافع ، والضار، و المخلص المتفاني في القيام بالواجب و الغاش المتهاون فيه  ، والعربي والأمازيغي واليهودي … كل هؤلاء حقيقة  وواقع لا يمكن أن تنكر ، وكل هؤلاء ينتمون إلى هذا الوطن  ويكونون لحمته ، ولا فضل لأحد على آخر إلا بقدر الإخلاص لهذا الوطن  فعلا لا ادعاء فقط . ولا مبرر لوجود ذهنيات إقصائية  أو استئصالية في هذا الوطن ، ولا مبرر أيضا لأن يين أحد الآخر بسبب قناعاته الفكرية أو العقدية أو الإيديولوجية. ومن جرم غيره بسبب ذلك فعليه أن ينتظر من هذا الغير أن يجرمه أيضا بسبب قناعاته .  فالذين رفضوا ترشح السلفي للانتخابات والذين أيدوهم في ذلك بذريعة حمله لفكر ما أو لقناعة ما  لا يقبلونها يرى فيهم هذا السلفي ومن يؤيده  أنهم  يحملون فكرا أو قناعة إقصائية أو استئصالية لا يقبلها هو الآخر، ويرى فيها إجهازا واعتداء على حريته ، وتشكيكا في وطنيته . وإذا ما افترضنا أن هذا الشخص فاز  بمقعد في البرلمان فهل هذا يعني أنه سيمرر قناعاته الشخصية  بسهولة ويسر؟ ألا توجد ضوابط في المؤسسة التشريعية تلزم الجميع بالرغم من اختلاف التوجهات والقناعات .

  ولنقف عند ما اعتبر سببا وجيها لإقصاء هذا الشخص من ممارسة حقه الدستوري ، وهو اتهامه بعدائه لليهود إطلاقا . فإذا صح ما ينسب له ، فإنه حينئذ سيكون قد أساء لمواطنين  مغاربة يهود يشتركون معه في الانتماء لهذا الوطن ، أما إذا كان قصده الصهاينة المحتلين لفلسطين والمعتدين على أهلها ،فالأمر حينئذ شيء آخر، ذلك أن اليهود المغاربة أنفسهم يعادون الصهاينة المحتلين . ولا يتنكر اليهود المغاربة للانتماء القومي. وهل يوجد مغربي لا يعتبر الصهاينة أعداء ؟ وما كل من يعادي الصهاينة يعتبر معاديا لليهود ، واليهودية ديانة سماوية إذا ما تاجر بها الصهاينة لأغراض توسعية فهذا لا يعني أن كل اليهود يتاجرون بها لأغراض .  وإذا كنا نتفهم جيدا أن يرفض ترشيح شخص ذي سوابق جنائية للانتخابات فإننا  لا نستسيغ أن  يرفض ترشيح  سجناء الرأي الذين لا يمكن إدراجهم ضمن أصحاب السوابق الجنائية . فكم من سجين رأي لو توفرت  ليه حرية التعبير لما أدين ، ولما سجن ، ولما  طعن في حسن سيرته كما يطعن في سيرة المجرمين الذين يقترفون الجرائم . ولا شك أن اعتماد المغرب الإنصاف والمصالحة  يعد اعترافا بأن سجناء الرأي  ليسوا هم سجناء الإجرام . ولا يقبل الرأي العام المغربي أن تصادر حرية أي مواطن في التمتع بحق الترشح أو حق التصويت ،لأن ذلك استخفاف بالدستور الضامن للحريات الفردية . ونأمل أن تفضي الديمقراطية الناشئة عندنا إلى القطيعة التامة مع إدانة المواطنين بسبب ما يعتقدون وحرمانهم من حقوقهم . ونختم بالقول : من يحاسب الذين يحاسبون غيرهم بسبب ما يعتقدون؟

محمد شركي


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Big Sidebar

 

yahoo

 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles