البيجيدي وتكريس البؤس السياسي


     1


     في خطوة فريدة من نوعها، وفي ظرف جد دقيق لم يعد يفصلنا عن موعد الانتخابات البرلمانية، المقررة في: 7 أكتوبر 2016 عدا أسابيع قليلة، وعوض كشف الحساب عن حصيلة الحكومة، يباغتنا قائدها حزب “العدالة والتنمية” ببدعة أخرى، لم تعرف الحياة السياسية والانتخابية نظيرا له من قبل، ليس فقط بإدماج متطرف تكفيري ضمن كتيبة وكلاء لوائحه الانتخابية، بل أيضا بإشراك أمين عام حزب سياسي منافس ومخالف لمرجعيته، وترشيحه بدائرة انتخابية تعد من بين أبرز معاقل غريمه اللدود حزب “الأصالة والمعاصرة”.

     ويتعلق الأمر بكل من السلفي المثير للجدل محماد القباج، المعروف بخطابه الرجعي والعنف اللفظي، والذي كال مؤخرا لمنتقدي فاطمة النجار المتورطة في فضيحة أخلاقية مدوية، رفقة “عشيقها” عمر بنحماد، القياديين البارزين بحركة “التوحيد والإصلاح”، الجناح الدعوي للحزب الحاكم، والمتهمين بارتكاب الفاحشة في سيارة خاصة بشاطئ المنصورية، من الشتائم اللاذعة والنعوت القدحية ما لم يقله ابن كيران في ألد خصومه السياسيين، وجعلها في مرتبة زوجة الرسول الكريم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، أمنا عائشة رضي الله عنها. وهو الذي سبق له الإفتاء في مجالسه المغلقة والموثقة بإبادة اليهود بمن فيهم المغاربة، مشبها إياهم بأفعى سامة، ذيلها في فلسطين ورأسها يمتد إلى بقاع العالم. وقد أثار ترشيحه استياء عارما لدى عديد الحقوقيين، باعتباره معاديا للديمقراطية وله مواقف مناهضة لحقوق المرأة والطفل. والثاني هو الدكتور نجيب الوزاني، رئيس سابق لفريق “الأصالة والمعاصرة” بمجلس النواب، والأمين العام الحالي لحزب “العهد الديمقراطي”، الذي أخلف العهد مع ذاته ومناضلي حزبه، وكذلك مع أمينين عامين لحزبين مغمورين، دخل معهما في حلف تحت يافطة “الرافضون”، لمقاومة الممارسات السياسوية التي تضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين الفرقاء السياسيين، وارتمى عاريا بعيون مغمضة في أحضان “الجهالة والتعمية”.

     وليت الأمر توقف هنا، بل عمدت الأمانة العامة إلى محاولة إغراء نشطاء من “حركة 20 فبراير”، بالحصول على مقاعد بالبرلمان، من خلال ترشيحهم في مراتب متقدمة باللائحة الوطنية للشباب، ويأتي على رأسهم الشاب نجيب شوقي، أحد أشهر مؤسسي الحركة غير المنتمي سياسيا لأي حزب، إلا أنه رفض الهدية المسمومة، وتمسك بالدفاع عن قيم الحداثة والمبادئ التقدمية والحريات الفردية، ليجدد الأمل في نفوس الشباب بالمستقبل، ويقوي إيمانهم بفضيلة المواقف الثابتة وسمو الأخلاق السياسية.

     فالأنانية والانتهازية، هما القاسمان المشتركان بين كل من “البيجيدي” والقباج والوزاني. إذ لا مرجعية دينية ولا التزام أخلاقي يشدان “الإسلاميين” إلى العمل السياسي أكثر من تمسكهم بالمناصب وخلفيات أخرى. ومن خلال استغلال الخطاب الديني ووسائل الضغط والإغراء في استمالة المواطنين والفاعلين السياسيين، والاستعداد الدائم للتحالف حتى مع الشياطين وليس فقط مع السلفيين والعلمانيين، يتضح مدى إصرار الحزب على تقوية حظوظه في تصدر نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة. فما يقوم به من تصرفات هجينة وشائنة، يكشف بشاعة أطماعه، يظهر حجم إفلاسه الديني و”النضالي”، ويجسد قمة البؤس السياسي الذي يتخبط في مستنقعه، لاسيما أنه يركز على خلط الأوراق وتمييع الحياة السياسية، لبث بذور اليأس في النفوس، وتكريس العزوف عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، حتى يخلو الجو لمريديه في ترجيح كفته إبان يوم الاقتراع. أما سيدنا “الشيخ” وصاحبه “جراح العظام”، فهدفهما الواضح والفاضح، هو الظفر بلقب “برلماني”، والاستفادة من تعويضات شهرية “سمينة” وتقاعد مريح بعد نهاية الولاية التشريعية. ولم لا تولي “البروفيسور” حقيبة وزارة الصحة أو غيرها؟

     مؤسف حقا أن تصل الخسة والنكوص بأحزابنا إلى هذا المستوى من العبث السياسي، إذ كيف يجوز سياسيا وأخلاقيا لأمين عام حزب إسلامي يرأس الحكومة التخلي عن قناعاته ومواقفه، والقيام بإقصاء مناضليه الأصليين ومحاولة استقطاب شباب حركة ظل توجسه منها كبيرا، وترشيح شخص متشدد قد يجر الويلات على البلاد، وأمين عام حزب سياسي آخر، على رأس لوائح انتخابية؟ ولعل ابن كيران بهذا السلوك، يناجي ربه ليل نهار بإعلان باقي الأمناء توبتهم والانضمام إليه، لتخليص البلاد من مشاكل الترحال السياسي البغيض !

    فخلال ولاية تشريعية واحدة من قيادة حزب “الإخوان” للحكومة، تناسلت فضائحه وانكشفت عوراته، وتبين أن شعاراته مجرد أكاذيب، لا تخليق الحياة العامة، لا ديمقراطية داخلية ولا زهد في المناصب. وإلا فما السر خلف انسحاب المئات من مناضليه والالتحاق بغريمه “الأصالة والمعاصرة”؟ حيث أجمع “المتمردون” بمدن: فاس، مكناس، مراكش، وجدة، تطوان وغيرها… على أن غضبهم يعود إلى إخلال الأمين العام بوعوده وانزياح الحزب عن ثوابته: غياب الديمقراطية، الانفراد بالقرارات واعتماد المحسوبية في فرض وكلاء اللوائح الانتخابية، فضلا عن انحراف بعض المسؤولين في إدارة الشأن العام، سواء في الوزارات أو الجماعات الترابية والجهات، وتتجلى مظاهر الفساد في تبديد المال العام، استغلال النفوذ، تفويت بقع أرضية للمقربين بأثمنة رمزية، والتوظيفات المشبوهة للأبناء والأقارب…

     إننا نراهن على فطنة المغاربة في التصدي لكل الانتهازيين، الذين يتهافتون على امتصاص دمائهم واستنزاف خيرات بلادهم، وتكثيف الجهود للخروج من حالة التردي والجمود، التي أوصلنا إليها منعدمو الضمير، ممن يحاولون تشويه وتمييع الحياة السياسية وإفراغها من أهدافها السامية، مقابل خدمة مصالحهم الذاتية والعشائرية. فمتى تتخذ تدابير تشريعية زجرية، تحد من هذا البؤس السياسي؟

اسماعيل الحلوتي

اسماعيل الحلوتي


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

1 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. وجدي
     

    بالله عليك واش بغيت تردنا لايام الاتحاد الاشتراكي مع تقديري لرجل نظيف فيه وهو ع الرحمان اليوسفي .الاتحاد الاشتراكي تجاوزه الزمن في ظل قيادته الحالية.أنت ياسيدي مصاب بفيروس الشباطيات الله يشافيك

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Big Sidebar

 

yahoo

 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles