هل يغير علماء السعودية موقفهم من الأشاعرة بعد مؤتمر غروزني؟


    


أحمد الجبلي

        لقد نزل بيان مؤتمر الشيشان على علماء السعودية كالصاعقة، لأنه نزع منهم صفة الانتماء لأهل السنة والجماعة، وهي الصفة التي احتكروها لعقود ونفوها عن غيرهم من التوجهات العقدية المتواجدة في هذه الأمة المعاصرة [1]، وهذه الصفة التي تعني الانتماء للفرقة الناجية وردت في الحديث النبوي الشريف الذي يحذر فيه  رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة من أن تزيغ عن ما كان عليه هو وأصحابه صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو حيث يقول فيه عليه الصلاة والسلام: ” وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاثة وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي” رواه الإمام الترمذي وقد روي الحديث من طرق أخرى. وكان أكثر أهل العلم يدعون الله تعالى بأن يميتهم على مذهب أهل السنة والجماعة، فيقول بعد الحمدلة والتصلية على النبي صلى الله عليه وسلم ما نصه: ” اللهم بفضلك العميم عمنا، واكفنا اللهم شر ما أهمنا وأغمنا وعلى الإيمان الكامل والسنة والجماعة توفنا نلقاك وأنت راض عنا” فكانت أمنيتهم الموت على عقيدة أهل السنة والجماعة، الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:” لا تجتمع أمتي على ضلالة” في الحديث المتواتر معنى، والمتواتر في المعنى كالمتواتر في اللفظ.

وهو نفس المعنى الذي ذهب إليه الإمام الشاطبي في الاعتصام حيث قال: ” لزوم الجماعة هو مقصد إسلامي كبير”

إن الأمر إذن خطير غاية الخطورة، وكل طرف أقصي من هذه الجماعة معناه الحكم عليه بالنار انطلاقا من الحديث النبوي الشريف، وهو، بمعنى من المعاني، أشبه بتكفيره.

ولهذا السبب ثارت ثائرة مجلس كبار علماء السعودية، وضاقت بهم الأرض بما رحبت، لإدراكهم لخطورة الموقف الذي قد يعني عزل السعودية وإقصاؤها والحكم عليها بالضلال والابتعاد عن جادة الصواب وتحميلها كل تداعيات الفكر الإرهابي والتطرف الفكري والمنهج التكفيري الذي تتبناه مجموعة من الجماعات الإرهابية في العالم العربي والتي تعتمد على فكر محمد بن عبد الوهاب أساسا.[2]

علماء السعودية قبل مؤتمر غروزني وبيان الدكتور يوسف القرضاوي:

إن علماء السعودية بهذه الغضبة الشرسة التي صدرت عنهم كرد فعل تجاه إقصائهم من أهل السنة والجماعة، يكونون قد اكتووا بنفس النار التي طالما استعملوها لحرق الأشاعرة، وقبل إعطاء بعض الأدلة على هذا التوجه الذي نهجه علماء السعودية نقدم شهادة من أحدهم وهو حاتم العوني الداعية السعودي الذي حضر المؤتمر حيث قال: أعلم أن عامة السلفية لن يرضوا حتى لو أدخلوهم معهم في لقب أهل السنة والجماعة؛ لأنهم كانوا – وما زالوا – يحتكرون هذا اللقب، ويبدعون ويضللون، وربما كفّروا مخالفهم، فهم لن يرضوا إلا أن يكونوا هم وحدهم أهل السُّنة والجماعة”.

وتابع يقول: “لا يحق لمن مارسوا التبديع والتضليل والإقصاء لعقود أن يعيبوا من قابل إقصاءهم بإقصاء وتضليلهم بتضليل، ولكن يحق لمن كان يتسع معتقدُه وتقريره وإنصافُه للجميع أن يكونوا تحت مظلة أهل السُّنة والجماعة أن يعتب على البيان بأنه قابل الإقصاء بإقصاء، والتبديع بتبديع”.[3]

 وسنقدم فقط بعض الأمثلة  من الكتب الأكثر اعتمادا في السعودية لتتضح الصورة جلية على ما قلناه، من ذلك قول صاحب موارد الظمآن لدروس الزمان عبد العزيز السمان حيث يقول: ” أهل البدع مرضى القلوب ويخشى على من خالطهم أو اتصل بهم أن يصل إليه من ما بهم من هذا الداء العضال، لأن المريض يعدي الصحيح ولا عكس، فالحذر الحذر من أهل البدع الذين يجب الابتعاد عنهم وهجرانهم: الجهمية والرافضة، والمعتزلة، والماتريدية، والخوارج، والصوفية، والأشاعرة، فينبغي للمسلم أن  يحذرهم ويحذر منهم”[4] فهذا العالم السعودي الكبير والمعتبر يحذر العالم الإسلامي من المغاربة والتونسيين والمصريين والسودانيين والشاميين واليمنيين والأردنيين والأتراك وغيرهم  أي من تسعة أعشار أهل الأرض من المسلمين…ويحذرهم من الإمام ابن حجر العسقلاني والإمام النووي والرازي والباقلاني والغزالي وابن رشد والذهبي والسبكي  والهيثمي  والإيجي والباقلاني وابن فورك والبيهقي  والباجي والجويني ومحمد الفاتح وصلاح الدين الأيوبي والقرضاوي والعلامة مصطفى بن حمزة واسماعيل هنية…إذن هي دعوة إلى تقسيم الأمة وتكفيرها والتحذير من علمائها قديما وحديثا.

ومتى كان الأشاعرة والماتريدية من أهل البدع وهم الذين ناصروا السنة ونافحوا عنها؟ وإذا كان المالكية والشافعية والحنفية وبعض فضلاء الحنابلة أشاعرة هل نحذر أبناء الأمة الإسلامية من الأمة الإسلامية نفسها ؟.

وقد صنف أستاذ العقيدة بجامعة أم القرى سفر الحوالي كتابا سماه “منهج الأشاعرة في العقيدة” يصف فيه الأشاعرة بأنهم مبتدعة وأصحاب هوى ولا علاقة لهم بأهل السنة والجماعة كما أنه يصفهم بأنهم جهمية [5]، وقد رد عليه غير واحد من علماء الأشاعرة على رأسهم الدكتور عبد العزيز الإدلبي بكتاب علمي رصين سماه: “عقائد الأشاعرة في حوار هادئ مع شبهات المناوئين”

وعلى غرار ما كتبه الدكتور سفر الحوالي، ألف عديد من علماء السعودية مؤلفات في تكفير العلماء قديما وحديثا، وحتى الأمين العام لرابطة علماء المسلمين الدكتور يوسف القرضاوي، الذي دافع عنهم بعد مؤتمر غروزني، لم يسلم من ذلك حيث كتب العلامة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي كتابا سماه: إسكات الكلب العاوي يوسف القرضاوي، وكتب الشيخ المدخلي كتابا سماه:  العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم والذي يصف فيه سيد قطب بالمنحرف عن الإسلام لكونه يقول بنظرية وحدة الوجود… وأما الشيخ الجليل محمد الغزالي رحمه الله فقد أبكوه غير ما مرة، حتى أن وفاته كانت بسبب دبحة صدرية تسبب فيها أحد تلامذة هؤلاء وهو يتهم الشيخ الجليل بمحاربة السنة، فانفعل الشيخ وعلا صوته موضحا وشارحا ومدافعا عن موقفه من السنة حتى خر ميتا. إن كتابات علماء السعودية تكاد لا تخلوا من هكذا فكر واقرأ إن شئت كتابات محمد بن عبد الوهاب وعمر الأشقر وابن العثيمين وغيرهم كثير.

وقد هالني ما وجدته من حذر علماء السعودية وتحذيرهم من العقيدة الأشعرية وأنا أقارن بين النسخة الأصلية من كتاب رسالة الشرك ومظاهره للعلامة مبارك الميلي الجزائري أمين مال جمعية علماء المسلمين وبين النسخة التي تم مسخها وتحريفها وذلك بحذف العقيدة الأشعرية من الكتاب، وما استهواهم في الكتاب هو الاهتمام الكبير بموضوع الشرك لكونه أسهل طريق نحو التكفير. يقول  مدير دار النشر في مقدمة الطبعة الأولى: ” وجدنا أن به بعض الملاحظات (هذه الملاحظات هي العقيدة الأشعرية) ، فبدا لنا أن نعرضه على بعض المشايخ، وكان كذلك أن أرسلنا نسخة إلى الشيخ بكر أبو زيد، وأرسل إلينا ملحوظاته على الكتاب، وتمت مراجعة الكتاب ثانية من قبل أبي الهيثم إبراهيم بلجنة التحقيق بالدار وتم عمل تقرير إضافي وأرسلنا كليهما للشيخ أبو عبد الرحمان محمود محقق الكتاب، وثم أرسل إلينا النسخة بعد التصحيح وبعد مراجعة لجنة التحقيق بالدار  تم تقرير آخر باستدراكات أخرى وتم إرساله للمحقق، وضبطت النسخة وأعيدت للصف لتجهيز الطباعة”

كل هذه التحركات والاتصالات و الاستدراكات وكل هذه التقارير من أجل إدخال التحريفات وتغيير فكر صاحب الكتاب دون أدنى أمانة ولا خوف من الله لأنه أشعري العقيدة. والقارئ إذا قرأ النسخة الأصلية وقارنها بما نشرته دار الراية السعودية يرى عجبا وتحريفات خطيرة وقعت في مضامين الكتاب الذي يتحدث عن الشرك مخاطبا المسلمين من أجل معالجة سلوكيات تدل على الشرك الأصغر فتحول إلى كتاب يخاطب الأمة وكأنها كفرت بعد إيمانها.

وتعقيبات المحقق مغرضة تنسف ما لا يتوافق مع توجهها وسنضرب أمثلة على ذلك. يقول مثلا في الصفحة 49  في الهامش معلقا على الشيخ الميلي: ” المراد بأهل السنة عند البيهقي وابن عساكر  الأشاعرة والماتريدية، فكلاهما اشعري، والانحراف عندهم أشد.” وفي الصفحة 52 يقول متحدثا عن الإمام السبكي رحمه الله: “والسبكي أشعري قبوري” أي يذم الأشاعرة ويعتبرهم قبوريين، والقبوريون عند هذا الصنف من الدعاة مشركون، لكونهم يزورون القبور ويبنون فوقها.. وكما لا يخفى، هذا فكر يؤسس للتكفير بل وقد فعلوا لأنهم لا يعتبرون العديد من علماء الأمة كابن حجر والنووي من أهل السنة والجماعة لأنهم أشاعرة.

ما بعد مؤتمر غروزني وبيان الدكتور يوسف القرضاوي:

إن الضربة القاضية التي تلقاها مجلس كبار علماء السعودية وذلك بالتشطيب عليهم من لائحة المنتمين لأهل السنة والجماعة من خلال بيان المؤتمر،  داوى جراحها الأمين العام للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور يوسف القرضاوي بسرعة فائقة، مما جعل الكرة الأرضية ترتج وتدخل في نقاشات هستيرية ومراطونية الإيجابي فيها أن الأشعرية والماتريدي من جديد أخذت الصدارة في الحوار والنقاش وهو عامل إيجابي سيعيد لهذا التوجه العقدي منزلته الحقيقية التي تبوأها على مدى قرون، كما سيتم فتح نقاش واسع جديد يتناول بالبحث والتقصي والغربلة في أفكار ابن تيمية وحقيقة دعوة محمد بن عبد الوهاب، كما تعتبر فرصة سانحة للعلماء العاملين الصادقين في السعودية لمراجعة العديد مما كانوا يظنونه إلى حد قريب هو الحق والصواب وما دونه الخطأ والباطل.

ولكن بعد بيان الدكتور يوسف القرضاوي، كنا نعتقد  أن علماء السعودية أجمعون سيتماهون مع الهدية النفيسة، غير المتوقعة، التي تقدم بها الدكتور يوسف القرضاوي لعلماء آل سعود، وذلك بدعوته إلى توحيد الأمة وجمع شملها ونبذ كل الخلافات في وقت تكالبت فيه الأمم على الأمة الاسلامية كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.

وفي الوقت الذي يدعو فيه بيان علماء السعودية إلى وحدة الصف وعدم تشتت الأمة نجد البعض منهم لا يزال يعزف على السمفونية القديمة وهي القذح في الأشاعرة  وكأن أبا الحسن الأشعري أو الإمام الباقلاني أو ابن فورك أو ابن عساكر هم الذين ترأسوا مؤتمر غروزني ودعوا إلى إخراج السعودية من الملة.

 فإذا بأستاذ الفقه في جامعة أم القرى السعودية، الدكتور محمد بن السعيدي، يصف مؤتمر غروزني بكونه يهدف إلى إعادة العقل المسلم إلى الخرافة وسدنة القبور، أي هي عودة للتنقيص والسب والشتم في الأشاعرة والصوفية من جديد، في الوقت الذي يخطئ الدكتور محمد البراك، عضو رابطة علماء المسلمين، في التعبيير فيقع في تفريق المسلمين وتقسيم صفهم حيث قال: في مؤتمر الشيشان أراد المتآمرون إخراج أهل السنة فأخرجوا أنفسهم. وهو تصريف لا يزال يتغذى بمنطق الاحتكار والإقصاء،  أما حاكم المطير فوصف المؤتمر بأنه توظيف للطرق الصوفية في حرب روسيا الصليبية في سورية.

ربما نجد الخطأ الذي ورد في بيان مؤتمر غروزني هو حصر أهل السنة والجماعة وتضييقها  دون فتح الباب لكل من وافق الكتاب السنة ونهج نهج السلف الصالح من صحابة وتابعين، أي خير القرون، كما قال الإمام الجلال الدواني رحمه الله ” الفرقة الناجية وهم الأشاعرة أي التابعون في الأصول للشيخ أبي الحسن الأشعري فإن قلت: كيف حكم بأن الفرقة الناجية هم الأشاعرة؟ وكل فرقة تزعم أنها ناجية؟ قلت سياق الحديث مشعر بأنهم – يعني الفرقة الناجية – المعتقدون بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذلك إنما ينطبق على الأشاعرة، فإنهم متمسكون في عقائدهم بالأحاديث الصحيحة المنقولة عنه صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، ولا يتجاوزون عن ظواهرها إلا لضرورة، ولا يسترسلون مع عقولهم كالمعتزلة”  والشاهد عندنا هو قوله: “والإقتصار على الأشاعرة في نصوص الأئمة وأهل العلم إنما لكونهم أغلب أهل السنة، فلا يفهم منه إخراج غيرهم من طوائف أهل السنة من الفرقة الناجية، فمن لم يكن منهم متبعا للإمام الأشعري فهو موافق له”[6]. وكان الإمام ابن عجيبة يقول: ” أما أهل السنة فهم الأشاعرة ومن تبعهم في اعتقادهم الصحيح، كما هو مقرر في كتب أهل السنة”[7]

أي إن تحديد فئات معينة بالضبط على سبيل الحصر يعد خللا جسيما لم يقل به الأولون من علماء الإسلام. وإنما بالإضافة لتحديدهم لأكثر الفرق اتباعا لكتاب الله وسنة رسول الله وعلى ما كان عليه صحابته الكرام وتابعوهم بإحسان، حددوا معايير الانتماء بأهل السنة والجماعة، أي  إن أي فرقة رأت في ذاتها أنها تنهج نهج هؤلاء فهي منهم، وأي فرقة رأت أنها تنأى عن عقيدة هؤلاء فهي مطالبة بتقديم مراجعات عميقة في عقيدتها وفكرها.

وبعيدا عن القراءات السياسية التي تلت مؤتمر غروزني، يمكن القول بأن الذين دعوا إلى هذا المؤتمر والذين انتقوا له عنوانا هو ” من هم أهل السنة والجماعة؟” إنما عقدوه من أجل رد الاعتبار إلى العقيدة الأشعرية[8] التي ظلت تجلد ويقصى أهلها من أهل السنة والجماعة فرموا بشتى النعوت فتارة بالقبوريين وتارة بالمؤولة وتارة بأهل البدع والضلال، وأحيانا بالجهمية، وأحيانا بأهل الشرك والتوسل بالأولياء والأنبياء والصالحين.

وبما أن مجلس كبار علماء السعودية قد خرج ببيان يدعو فيه إلى وحدة الصف ولم الشمل وغض الطرف عن الاختلافات التي ما هي إلا نتيجة اجتهادات يصيب فيها من يصيب ويخطئ فيها من يخطئ، وأن الأمة في هذه المرحة في اشد الحاجة لتكون أمة واحدة.

فإن علماء السعودية مطالبون الآن بتقديم مراجعات جوهرية، وفتح المجال للدخول في حوارات مطولة تكون فيها مكاشفات ومناظرات ومطارحات تنال بالحوار والنقاش كل المسائل العقدية التي كانوا يعتبرونها إلى حد قريب من المسلمات، وإن الاختلاف فيها تم تحويله إلى سهام ترمي المخالفين بالكفر والبدع والخروج عن أهل السنة والجماعة. إن الادعاء بحتمية توحيد الأمة الإسلامية مراعاة للتحديات الجسام التي تعترضها، والخطوب والمخاطر التي تحيط بها،  يجب أن يكون له ما يبرره على أرض الواقع أقله الكف عن تكفير العلماء قديما وحديثا و الكف عن رميهم بما لا يليق في حقهم وهم الذين تصدوا لأعتى الفرق الكلامية في وقت لم يجرؤ أحد على حوارهم أو الدخول في نقاش معهم،  إن أي طعن في علماء الأمة وإخراجهم من معتقد أهل السنة والجماعة لا يزيد هذه الأمة إلا تمزقا وتفرقا أكثر مما هي عليه.

أحمد الجبلي


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Big Sidebar

 

yahoo

 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles