قراءة في كتاب ” النبوءة والسياسة” لجريس هالسل


    


أحمد الجبلي

إن كتاب ” النبوءة والسياسة” كتاب ليس كباقي الكتب، فقارئه سيعيد قراءته مرات ومرات، وسيتوقف عند كل صفحة من صفحاته المائة والتسعين، حيث سيجدها مشحونة بالمعطيات والتقارير والحوارات والتصريحات القوية والحجج والبراهين، وسيجد أن موضوعها يعد أخطر موضوع يهدد ليس السلام في الشرق الأوسط فحسب وإنما يهدد السلام العالمي ككل.

إن الاطلاع على هذا الكتاب من شأنه أن يعمل على تغيير العديد من المفاهيم التي كانت لسنين تعشش في أذهاننا خطأ، تماما كما كانت في عقل وفكر صاحبة الكتاب جريس هالسل، بل إن العديد من الناس، خصوصا مع ضعف القراءة والاطلاع و الرغبة في معرفة ما يجري حولنا، يجهلون كلية هذا الموضوع والذي قد يفوت حتى بعض المختصين بدراسة الأديان والمهتمين بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، أو السياسيين الكبار الذين لازالوا ينظرون إلى أمريكا نظرة إعجاب وإكبار وأنها دولة الحرية والديموقراطية والعلم ونشر السلم في العالم.

كما يكشف عن خدعة كبيرة لا زال العديد من سكان العالم، ومنهم العديد من سكان أمريكا المسيحيين الذين ينتمون إل طوائف مختلفة، ظلت ولازالت مجهولة وهي في العمق تحدد طبيعة الصراع العالمي وطبيعة السياسة الأمريكية التي تقوم على الدين وتأويل نصوصه بشكل أساسي رغم أن أول بند في الدستور الأمريكي يصرح أن أمريكا علمانية لا دينية.

إن هذا الموضوع، الذي يشكل جوهر الكتاب، عندما حاول بعض الكتاب والصحفيين العرب الاقتراب منه بالكتابة والتأليف أو حتى بالترجمة قصد فضح السياسات الأمريكية الإنجيلية الصهيونية، تعرض بعضهم للتهديد والتحذير، كما تعرض بعضهم للإختفاء الأبدي كما هو الشأن بالنسبة للصحفي المصري رضا هلال صاحب كتاب: المسيح اليهودي ونهاية العالم – المسيحية السياسية والأصولية في أمريكا- وصاحب ترجمة كتاب: أرض الميعاد والدولة الصليبية لوالتر ماكدوجال. وقد صرح هلال، قبل إختفائه، بأنه كان يزمع على كتابة ستة كتب تشمل هذا الموضوع الخطير إلا أنه اختفى، قبل إتمام مشروعه، ولا يعرف أحد إن كان حيا أو ميتا لحد كتابة هذه السطور. كما أن الكاتب والباحث اللبناني المسيحي العلماني المتخصص في الدراسات الدينية والثقافية والسياسية الأمريكية منير العكش، الذي عاش بأمريكا أزيد من 25 سنة، بعدما اخترق الخطوط الحمراء ليتمادى في فضح السياسات الصهيونية الأمريكية بل المتوحشة المتعطشة للدماء، أنتج رباعيته الرائعة كتلمود العم سام، وأمريكا والإبادات الجماعية، الذي يحكي فيه عن أخطر وأبشع الجرائم في التاريخ التي تعرض لها الهنود الحمر على يد الأمريكيين الإنجيليين الصهاينة،  وأمريكا والإبادات الثقافية ثم أمريكا والإبادات الجنسية – 400 سنة من الحروب على الفقراء والمستضعفين في الأرض-  حيث يقول:” كدت أن أتعرض للاغتيال على يد المخابرات الأمريكية”.

كما أن هذا الكتاب، قيد القراءة، “النبوءة والسياسة” قد نال حظه من الحصار والمنع فمنع من الانتشار حتى لا يطلع عليه الإنسان الأمريكي البسيط وبالتالي حتى لا يتعرف على الحقيقة المرة التي هي أن أمريكا الأنكلوساكسونية الإنجيلية الصهيونية جد مستبشرة بعودة اليهود لأرض الميعاد كما أراد الرب لأنها أكبر علامة توحي لهم بأن الوقت قد حان لتحقيق مشيئة الرب التي هي تدمير العالم بحرب نووية ممتعة حيث يعود المسيح العودة الثانية ويقتل كل الأشرار ويتحول اليهود إلى مسيحيين ويعيشون تحت حكم المسيح لمدة ألف سنة.

إن قيمة هذا الكتاب مستوحاة كذلك من كون صاحبته السيدة جريس هالسل مسيحية إنجيلية تربية وثقافة وخلقا، كما يقول محمد السماك صديقها العربي مترجم الكتاب، اشتغلت في منصب حساس جدا وهو تحرير خطب الرئيس الأمريكي ليندون جونسون، وهي صحفية مرموقة شرسة وموضوعية، وقد تعرفت على الحركة الصهيونية المسيحية عن قرب، وحاورت قادتها وفلاسفتها، وزارت فلسطين المحتلة عدة مرات وتحدثت أثناء رحلاتها لفلسطين عن بروتوكولات الزيارة الموجهة وبرامج تنظيم الصهيونية المسيحية لرحلات الحج التي تطال أكبر الشخصيات في أمريكا دعما لإسرائيل.

إن السياسة الأمريكية المسيحية اليمينية الصهيونية تجاه العالم سواء تعلق الأمر بالعلاقات الخارجية وتبادل المصالح والزيارات والسفارات وعقد المؤتمرات والملتقيات وتأسيس هيئات وتحقيق توازنات وتدخلات من أجل وضع تسويات وصلح وتهدئات وسن قوانين وإجراء محاكم وعقوبات…وكل ما يقع في العالم، إنما هو مجرد ديكور واكسسوارات تهيئ  للعرض المقدس الذي لا يمكن تجاوزه، أو التشكيك فيه، وهذا العرض الذي يوشك أن يبدأ، يتشوق إلى شرف إشعال شرارته أو حضور بدايته كل مسيحي أصولي صهيوني، هذا العرض هو الحرب النووية المقدسة التي سيشعلها أحباء الله والمقربون منه جدا، وهم بتعبير الإنجيل “الناجون”. إن الرئيس الأمريكي ريغان كما يقول القس أندرو لانغ الذي قاد أهم دراسة حول إن كان الرئيس الأمريكي يؤمن بهذه الحرب النووية فأجاب: ” سيكون متهافتا للضغط على الزر، وهو يشعر في قرارة نفسه أنه يساعد الله في مخططاته التوراتية المقررة مسبقا لنهاية الزمن”.

وفي سنة 1999 اعتقلت الشرطة الإسرائيلية مجموعة من الأصوليين الأمريكيين الذين قدموا من كولورادو،  والذين يطلقون على أنفسهم” المسيحيين المهتمين” ( أي مهتمين بالحرب النووية ومؤمنون بها) وبعدما تم القبض عليهم اتهمتهم السلطات الإسرائيلية بالقيام بعمل “نهاية دموية” من أجل تسريع العودة الثانية للمسيح. إن عملية التسريع هاته لها علاقة وطيدة بهدم قبة الصخرة حتى يتم بناء الهيكل الذي يعتبر النبوءة الوحيدة الباقية حتى تقوم الحرب النووية التي يؤمن بها أزيد من 85 مليون أمريكي ويتشوقون لشرف حضورها. ولهذا نجد أن كل المسيحيين في الأرض مطالبون دينيا أن يدعموا اليهود حتى يقوموا بدورهم الأرضي الذي يحقق النبوءة وهي عودة المسيح ليبيد السارازان، أي الهمج الذين يستحقون الإبادة، على حد تعبير الجد الخامس للرئيس جورج بوش في كتابه” محمد مؤسس الدين الإسلامي وأمبراطورية السارازان”.

فالكتاب هو عبارة عن مقاربة خطيرة وجريئة لتفكيك المعادلة الفكرية لأكبر حركة دينية سياسية في العالم وأشدها خطرا. إن الأمر يتعلق حقيقة بتسخير فهم نصوص الكتاب المقدس من أجل الدعم المبارك لليهود الذي هو دعم مقدس لا يمكن المساس به لأنه إرادة الله، كما أنه دعم يحقق في الأخير مصالح هذه الصهيونية المسيحية لأن الكتاب المقدس يخبرهم بأن المسيح أثناء عودته الثانية سيذبح كل اليهود وسيترك منهم فقط 144 ألف يهودي على قيد الحياة وسينحني كل واحد منهم الرجل والمرأة والطفل أمام المسيح، وكمتحولين إلى المسيحية فإن كل الناضجين سيبدأون التبشير ببشارة المسيح.

تعتبر سنتا 1948 و 1967 سنتين مقدستين عند المسيحية الأصولية لأنهما يمثلان الزمن الذي تحققت فيه نبوءتان عظيمتان. فالسنة الأولى هي وعد الله بالعودة بعد الشتات إلى الأرض الموعودة، كما في حزقيال، والسنة الثانية سنة أثبتت الجهوزية والاستعداد للحرب النووية الربانية.

 فالكتاب عولج بأسلوب أدبي سلس، وبتحليل عميق للأحداث، وهو مثير ورائع حيث يتضمن العديد من الأرقام كإحصاءات للقساوسة والكنائس المسيحية الأصولية وخريطة تواجدها وانتشارها، والأموال الطائلة المتبرع بها والإذاعات التلفزيونية وإذاعات الراديو الدعائية لهذا الفكر الخطير، وأعداد المستمعين والمهتمين،  كما يذكر رؤساء أمريكيين  وسياسيين ومفكرين وشخصيات مهمة تؤمن حتى النخاع بالحرب النووية ولذلك سارعت نحو التسلح النووي وبيع وتوزيع الأسلحة في كل أنحاء العالم خدمة للرب وتحقيقا للنبوءة العظيمة.

أحمد الجبلي


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Big Sidebar

 

yahoo

 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles