حقيقة الإنسان في القرآن


     1


عندما نستعرض الفكر الإنساني الذي تناول تعريف الإنسان عبر تاريخ البشرية الطويل نصادف التعريفات المختلفة المتقاطعة في بعض الجوانب والمتضاربة في بعضها الآخر ، والمتباينة أحيانا. ومن المعلوم أن كل تعريف للإنسان مهما كانت ثقافته واعتقاده يجزم بصحة حقيقته ، وهي مسألة خلافية دائمة دوام الحياة لتعدد المعتقدات والثقافات واختلافها .
ومن التعريفات التي نجزم باعتبار عقيدتنا الإسلامية أنها الحقيقة تعريف القرآن الكريم ـ وهو أصح علم عندنا ـ للإنسان. وقبل أن نتناول حقيقة الإنسان من خلال القرآن نذكر أولا أن هذا القرآن ـ وهو كلمة الله عز وجل للإنسان ـ يقدم نفسه على أنه من نعم الله تعالى التي لا يحصيها عد ، ولا يعدلها حمد مصداقا لقوله جل وعلا : (( وإن تعدو نعمة الله لا تحصوها)) ويترتب عن تعذر الإحصاء تعذر الشكر ، وهو دليل على عظمة النعمة.

والقرآن الكريم تنطبق عليه مواصفات هذه النعمة لقوله تعالى : (( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)) وقوله أيضا : (( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله )) فكلمات لا تنفد أمام نفاد مداد بكمية ماء البحر الواحد والأبحر السبعة هي نعمة لا يحصيها العد ولا يشكرها الحمد . والقرآن يبين كيف حاز الإنسان نعمة القرآن في قوله تعالى : (( الرحمان علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان )) فلفظة ” علم ” المرتبطة بالقرآن تدل على أنه علم ، إذ لا يعلم إلا العلم ، كما أن لفظة “بيان” تدل أيضا على أنه علم لأن غاية العلم البيان ، ويتعلق الأمر بيان أمر الوجود والحياة في كل الآفاق . ولما كان القرآن علما فقد تعلم منه الإنسان ما لم يعلم مصدقا لقوله تعالى : (( الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم)) . ومما تعلمه الإنسان حقيقته إذ بمعرفة حقيقته يمكنه أن يخوض غمار الحياة خوضا صحيحا ويستمتع بكل النعم التي مصدرها نعمة القرآن لأنه لولاه لما عرف الإنسان طريقه إلى الاستفادة من نعم الحياة ، ومن نعم ما بعد الممات.
أما الحقيقة المادية لوجود الإنسان من خلال القرآن فهي في غاية البساطة والمهانة لقوله تعالى : (( ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون والجان خلقناه من قبل من نار السموم )) وقوله تعالى : (( وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين )) فالطبيعة المادية لهذا الإنسان عبارة عن طين أسود منتن الرائحة بداية ثم عبارة عن ماء حقير بعد ذلك ، وهذا يعني أنه لا مسوغ للبحث عن شرف الإنسان من خلال وجوده المادي بل لا بد من البحث عن شرفه المعنوي المرتبط بالنفخة الإلهية في المادة المهينة مما يؤكد عظمة الخالق سبحانه وتعالى إذ لو عرضت هذه المادة المهينة على غيره ليخلق منها ما خلق الله تبارك وتعالى لما صنع شيئا، بل الإنسان يتقزز من أصله المادي فيكمم أنفه حتى لا يشم رائحته المنتنة ، ويطهر يده من قذارة الحمإ والماء المهين فكيف يصنع مهما ما صنع الله تعالى وهو يأنف مجرد النظر إليهما ؟

ومقارنة طبيعة الإنسان بطبيعة الجان في القرآ ن لم تأت اعتباطا وإنما للتمييز بين طبيعة مادة مظلمة تدرك بحاسة البصر ، وأخرى مشعة فوق إدراك حاسة البصر ، وبيان ذلك أن الإنسان وأصل اسمه إنسيان لأنه يصغر على أنيسيان يؤنس من الإيناس بمعنى يبصر ويرى خلاف الجان الذي يجن بمعنى يستتر ويختفي ، ولهذا يسمى الإنسان إذا كان في بطن أمه مستترا جنينا ، ويسمى قلبه المستتر في قفصه الصدري جنانا . وكل ما يستتر ويختفي هو جنة ـ بكسر الجيم ـ لهذا نجد في القرآ ن الكريم : (( وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا )) أي نسبوا له الملائكة بنات وقد سميت الملائكة جنة لا بقصد طبيعة خلقها بل بقصد طبيعة استتارها وهي صفة الجان أيضا . ونظرا لطبيعة الإنسان المادية المظلمة فقد التصق بالأرض ضرورة بينما انطلقت المخلوقات النارية المشعة في الفضاء ضرورة أيضا .
هذه هي الحقيقة الأولى للإنسان في القرآن ، وهي حقيقة “المخلوقية ” ، وهي حقيقة مخالفة لحقائق الكثير من الثقافات والمعتقدات التي تزعم أن الإنسان آلهة أو نصف آلهة ، متنكرة للمخلوقية مدعية للألوهية ، وإن أقرت بالمخلوقية جعلته حيوانا …. إلى غير ذلك من الظنون التي تفرضها الاعتقادات والثقافات .وإذا كان القرآن قد حسم القول في طبيعة الإنسان المادية في قليل من آياته ، فإنه قد خصص له العديد من الآيات لتحديد طبيعته المعنوية المتأرجحة بين درجة أحسن تقويم ، ودرك أسفل سافلين .

أما درجة أحسن تقويم فهي درجة أجرأة توجيهات القرآن الكريم الذي هو خلق عظيم لقوله تعالى : (( وإنك لعلى حلق عظيم )) ذلك الخلق الذي كشف عنه قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالـت : ” كان خلقه القرآن ” . فمعنى كون القرآن خلقا هو أن توجيهاته للإنسان تقوم على أساس علم صحيح بالحياة ، وممارسة الحياة على أساس العلم الصحيح بها يجعل الإنسان على خلق عظيم أو في مرتبة أحسن تقويم . وخلاف مرتبة أحسن تقويم يقوم درك أسفل سافلين على أسس لا علاقة لها بالقرآن ، وعلى رأس هذه الأسس أساس الأهواء التي هي نفخ شيطان رجيم أصله إشعاع من مارج من نار يخترق مادة الحمإ والماء المهين المظلمة في جسم الإنسان ليصل إلى نفس طبيعتها روحية مشعة فيؤثر فيها بركوب حاجيات الجسم الغريزية ويصير تأثيره عبارة عن وساوس كما جاء في الذكر الحكيم : ((ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه )) ، وهي وساوس مردها الشيطان بشهادة القرآن في قوله تعالى : (( من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس )) إذ يتسلط إشعاع الطبيعة النارية على إشعاع الطبيعة النورانية في النفس البشرية والجنية على حد سواء مستغلا افتقار أوعيتها إما الطينية المظلمة أو النارية الملتهبة إلى حاجاتها الغريزية لإنزالها من مرتبة أحسن تقويم النورانية إلى درك أسفل سافلين المهين .
والقرآن الكريم يتعرض لمرتبة أحسن تقويم والتي يمثلها الأنبياء والرسل والصديقون ، كما يتعرض لدرك أسفل سافلين الذي يمثله العصاة من كفار ومشركين ومنافقين ومرتكبين للكبائر . وأوصاف إنسان مرتبة أحسن تقويم هي نقائض أوصاف إنسان درك أسفل السافلين .

ولما كان التضاد وسيلة من وسائل تعريف الأضداد إذ يلزم عن وجود صفة في الشيء عدمها في نقيضه سنقف عند بعض صفات درك أسفل سافلين لمعرفة ما يقابلها من صفات درجة أحسن تقويم. أما الصفة الأولى فهي الطغيان لقوله تعالى : (( إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى )) فالأصل في مخلوق طبيعته الضعف كما جاء في القرآن : (( وخلق الإنسان ضعيفا )) ألا يطغى ، ولكنه يفعل بسبب توهمه التخلص من ضعفه وهو الاستغناء بكل أنواعه . وأما الصفة الأخرى فهي الكفران وهو جحود الخالق وأفضاله ونعمه لقوله تعالى : (( وكان الإنسان كفورا)) وكفره بين واضح لقوله تعالى : (( إن الإنسان لكفور مبين )) . وعن صفة الكفر تنشأ صفات سلبية أخرى منها الظلم وهو وضع الأمور في غير ما وضعت له كوضع الكفر مكان الإيمان لهذا قال الله تعالى : (( إن الإنسان لظلوم كفار)) ، والظالم يلازمه بالضرورة الجهل إذ لو علم لكان عادلا لهذا قال الله تعالى : ((إنه كان ظلوما جهولا )) . وصفة الجهل سببها العجلة في تلقي العلم إذ لو كان التأني في الطبيعة البشرية لحصل للإنسان العلم لهذا يقول الله تعالى : (( وكان الإنسان عجولا )) .ويترتب عن جهل الإنسان اشتغاله بالجدل بل إسرافه في الجدل ، ولو تأملنا ما خلف الإنسان من آثار فكرية منذ فجر التاريخ لوجدناها كما هائلا من الجدل لهذا قال الله تعالى : (( وكان الإنسان أكثر شيء جدلا )) .

أجل الإنسان هو خصيم ربه المبين لقوله تعالى:(( خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين )). فإذا ما اقتصر جدل الملائكة على قولها : (( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء )) ، واقتصر جدل الشيطان على قوله : (( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين )) فإن جدل الإنسان بلغ في النموذج النمرودي درجة : (( أنا أحيي وأميت )) ، وفي النموذج الفرعوني : (( أنا ربكم الأعلى )) وعلى هذين النموذجين تقاس كل نماذج المخلوق الأكثر جدلا .
ومن خلال هذه الصفات السلبية المورثة لدرك أسفل سافلين نستشرف الصفات الإيجابية المفضية إلى درجة أحسن تقويم وهي التواضع عوض الطغيان ، والإيمان عوض الكفران ، والعدل عوض الظلم ، والعلم عوض الجهل ، والتأني عوض العجلة ، والطاعة عوض الخصومة والجدل. وفي الأخير يبقى الإنسان في هذا الوجود إنسان قرآن وإنسان شيطان.

محمد شركي


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

1 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. slouma mezouni elkamel
     

    روعة في الحياة

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Prix voyage

Billets d'avion

 

yahoo

 
 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles