Home»International»موقف السلطان عبد الحميد الثاني من الديموقراطية – الحلقة الثانية

موقف السلطان عبد الحميد الثاني من الديموقراطية – الحلقة الثانية

2
Shares
PinterestGoogle+
 

أحمد الجبلي
لم يكن السلطان عبد المجيد أب السلطان عبد الحميد يرى مانعا في العمل على تغريب نظام الدولة العثمانية، ولذلك عمل على إصدار فرمانين اثنين سنة 1855 وسنة 1856 يقضيان بتبني تنظيم شؤون الدولة وفق المنهج الغربي.
وبهذين القانونين بدأ التخلي عن العمل بالشريعة الإسلامية واستلهام الفكر الغربي في التقنين وإقامة المؤسسات. هذا المنعطف الخطير وقع في غفلة عن السلطان عبد المجيد لكونه كان خاضعا لتأثير وزيره رشيد باشا المعجب بالغرب وبأفكاره والمشبع بالفلسفة الماسونية. كما يعتبر المهندس البشري في صناعة جيل المستغربين من مثقفين ورجال الدولة والذين نتيجة هذه الحمولة الفكرية التغريبية التي يحملونها قد تم عزل السلطان عبد الحميد سنة 1909 وإلغاء الخلافة سنة 1924.
إن عبد الحميد الثاني، عندما تولى الحكم، كان على علم بالمسلك الذي نهجه عمه عبد العزيز ووالده عبد المجيد، ولكنه في نفس الوقت كان يرى ما لم يرياه، وهو أن تدخل الغرب وتصدير فكره وأنظمة حكمه هو مخطط يرمي إلى تدمير الدولة العثمانية. وكان يرى أن النظام الغربي أوجد مجلسا وزاريا وجعله شريكا في الحكم مع السلطان من جهة، وفرض على أن تتراجع مشيخة الإسلام التي كانت تمثل مجلس الشورى بالنسبة إلى السلطان ثم شلت بعد ذلك، من جهة ثانية.
إن نظام الحكم الأصلي في الدولة العثمانية هو نظام الديوان وكان يتأسس على ثلاث دعامات أساسية وهي السلطنة والخلافة ومشيخة الإسلام، وكان الديوان يأتمر بأوامر السلطان الخليفة وفي نفس الوقت يقوم بمساعدته في تدبير وتسيير شؤون الدولة، وتقوم مشيخة الإسلام بدور الشورى له.
إن لاختيار نظام الحكم كهذا علاقة بمجموعة أمور منها أولا أن عبد الحميد كان يرى أن ما يمكن أخذه من الغرب هو ما يفيد في تقدم وتطوير الدولة دون المساس بأصلها أو تشتيت وتمزيق مكوناتها، وثانيا لأن عبد الحميد بمجرد أن اقترح الإنجليز الشريف حسين أمير مكة خليفة للمسلمين، أدرك أن الدول الغربية عازمة على إنهاء الخلافة، ولذلك، وبما أنه لا يملك لا القوة ولا الطاقة لمحاربة الدول الغربية كان يعلم أن الدول الغربية ترتعد من سلاح الخلافة، وبما أن الدولة العثمانية هي عبارة عن خليط من أجناس متعددة فالإسلام وحده قادر على أن يجعلهم أسرة واحدة، ولهذا قال: « يجب تقوية روابطنا ببقية المسلمين في كل مكان، يجب أن نقترب من بعضنا البعض أكثر وأكثر، فلا أمل في المستقبل إلا بهذه الوحدة » وفي هذا السياق عمل عبد الحميد على إنجاز فكرة الجامعة الإسلامية وسكة حديد الحجاز.
أي إن توجه عبد الحميد نحو توحيد المسلمين في أمة واحدة يقودها خليفة واحد لم يكن يسمح على الإطلاق باتخاذ أي نظام حكم يخالف التوجهات العامة التي يتفق معها المسلمون في كل بقاع الأرض، وإلا لن تنجح هذه الوحدة الحلم التي هي وحدها الكفيلة بمواجهة الغرب المتربص بالخلافة.
فهل كان عبد الحميد إذن عدوا للدستور وعدوا للديموقراطية؟
إن عبد الحميد الثاني بفطنته وذكائه كان يأخذ بعين الاعتبار، في أي قرار يتخذه، الظرف الذي تعيشه أمته من حيث الوعي وإدراك الأشياء قبل الإقدام عليه، كما كان ملما بجميع الخصوصيات التي تميز أمبراطوريته الممتدة الأطراف والمكونة من عدة أجناس وجل هذه المكونات يحافظ على تماسكها بمشقة في إطار سياسة توازنات تفوت العديد من الفرص على العدو لضرب الدولة وتشتيت وحدتها. وبالتالي فأي نظام أو تقنين لابد أن يحقق هذا التماسك وإلا سيوضع في الرف ريتما تنضج الوضعيات وتتحول الظروف لتكون مناسبة وتكون الأرضية أرضية خصبة صالحة لزراعة شيء قد يفيد الأمة في المستقبل ويضمن استقرارها.
ولهذا وفي ظرف عصيب مرت به الدولة حيث اختلط الوطني بالخائن والصديق بالعدو، كان يرى أن الديموقراطية ليست دواء يصلح لكل مرض، إذ نجده يقول في معرض حديثه عن مدحت باشا:  » مدحت باشا لم ير غير فوائد الحكم المشروطي { الديمقراطي} في أوربا، ولكنه لم يدرس أسباب هذه المشروطية ولا تأثيراتها الأخرى، أقراص لا تصلح لكل مرض، كما لا تصلح لكل بنية، وأظن أن أصول المشروطية لا تصلح لكل شعب ولكل بنية قومية ». كما أن عبد الحميد لم يكن وحده من يحمل هذا الموقف من الديموقراطية بل الأغلبية الساحقة كانت تشاركه نفس الرأي لأن الظروف لم تكن تسمح بهكذا حكم ولهذا نجد رئيس الوزراء خير الدين باشا يخاطب السلطان قائلا:  » يجب التفكير كثيرا قبل تسليح الأجلاف بالقانون ».
وإن هذه القولة لها في التاريخ العثماني ما يؤكد مصداقيتها، حيث تحت غطاء الديموقراطية حاول الخونة بزعامة مدحت باشا تمزيق الدولة بتحويل جميع صلاحيات السلطان إلى المجلس الوزاري، فالسلطان عبد الحميد، في حقيقة الأمر، كان مقتنعا بالحكم الديموقراطي منذ ناقش الأمر مع أبيه السلطان عبد المجيد، ولكن أية ديموقراطية لأي شعب وفي أي ظرف؟
وفي هذا السياق قال لابنته عائشة وهو يتحدث عن الدستور كما تروي هي في مذكراتها في الصفحة 227:  » بنيتي لم تعد الأمة كما كانت في الماضي جاهلة، فقد تقدمت إلى حد ما، إذ فتحت المدارس وتخرج الضباط وصاروا يدركون ما هو الدستور، ومهما كتبت الصحف ضدي فإني عازم بمشيئة الله على تطبيق الحكم الدستوري، وسوف أصد كل الصعوبات مهما كانت « . وفي حديث مع إحدى زوجاته وبنته عائشة يقول:  » سوف أفتتح في القريب العاجل مجلس المبعوثان بمشيئة الله، وأقوم بخدمة الدولة والأمة حاكما دستوريا ».
وإذا كانت الديموقراطية هي حكم الشعب بالشعب فلا يمكنك أن تفرض على الناس ما لا يريدون، فإن عبد الحميد الثاني لم يتراجع عنها حينما أرادها الشعب العثماني إذ قال: « لقد تجاوز سني الستين، وأعظم آمالي أن أقوم في أواخر أيامي بوظيفتي الأخيرة، وتحقيق رغبة الدولة والأمة، وما دامت الأمة تريد ذلك فسوف يكون لها ما أرادت، وليس لي إلا أن أرجو التوفيق من الله » وهو هنا يتكلم عن الدستور والحكم المشروطي أي الديموقراطية والعمل بالمجالس.
فهل عدم قبول الدستور في البداية والديموقراطية معناه أن عبد الحميد كان ضد كل شيء يأتي من الغرب؟
إن السلطان عبد الحميد لم يكن في يوم من الأيام ضد العلوم الحديثة، كما يسميها، وإن كان يقيدها بشرط التدرج وعدم الابتلاع دفعة واحدة، ولذلك يقول: « ليس من الصواب القول بأنني ضد كل تجديد يأتي من أوربا، لكن العجلة من الشيطان، ويقابل العجلة الهدوء والاعتدال، يجب أن نضع نصب أعيننا ما تفضل به الله علينا…ليس الإسلام ضد التقدم، لكن الأمور القيمة يجب أن تكون طبيعية وأن تأتي من الداخل وحسب الحاجة إليها، ولا يمكن أن يكتب لها النجاح إذا كانت على شكل تطعيم من الخارج »
والواقع التاريخي يثبت بأن عبد الحميد قد استفاد من الغرب بطريقته الخاصة في كل المجالات التي رأى أنها تحتاج إلى خبرة الخارج، لذلك شيد كلية للعلوم وكليات للآداب والحقوق، وكلية للعلوم السياسية، وأكاديمية للفنون الجميلة، ومدارس عليا للتجارة والزراعة والبيطرة والغابات والتعدين والتجارة البحرية، ومدارس المعلمين العليا، ومدارس متوسطة متخصصة مثل مدارس الصم والعمي والبكم ، وأقام مدرسة إعدادية، أي ثانوية بالمفهوم المعاصر، كما أقام مدارس عليا بمستوى الجامعات في كل من دمشق وبغداد وبيروت وسلانيك وقونيا وغيرها. كما أرسل البعثات العلمية إلى كل من فرنسا وألمانيا. كما أقام مؤسسة حديثة للمياه وغرفا للصناعة والزراعة والتجارة، وتأسيس البلديات، وبناء الغواصات، وإقامة خطوط التلغراف، وإنشاء إدارة البريد ومد السكك الحديدية، وإدخال التراموايات والاهتمام بتدعيم المواقع العسكرية في الدردنيل مما ساعد على انتصار العثمانيين على الأساطيل المغيرة في موقعة الدردنيل المشهورة في الحرب العالمية الأولى ودمر أساطيل الحلفاء ومنعها من اقتحام الدردنيل.
إننا عندما نتتبع حديث السلطان عبد الحميد سواء عن الديموقراطية أو الدستور أو أي منتوج غربي، يتأكد لنا بالملموس أن الدول تغامر بشكل كبير عندما تنقل كل شيء دون مراعاة لخصوصياتها وظروفها وأرضيتها، أو دون أن تميز بين ما يدخل ضمن المشترك الإنساني الحضاري وما يدخل ضمن نطاق الثقافة وأنماط السلوك التي تجعل كل أمة متميزة عن غيرها. كما أن السلطان عبد الحميد عندما أخر تطبيق الديموقراطية لعدم توفر شروطها، قد أعطى درسا بليغا للعديد من الأنظمة المعاصرة التي ادعت أنها ديموقراطية وهي لا تتوفر على أدنى شرط من شروطها، أخذت باسم الديموقراطية تقتل وتقصي وتنفي وتجهض المشاريع، وتحت غطاء الديموقراطية تسلب الثروات والخيرات وتعتقل كل من طالب بحقه المشروع في هذه الثروة وكنوز البلاد.

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.