Home»International»ماكرون: من الاستعمار إلى الاستحمار

ماكرون: من الاستعمار إلى الاستحمار

0
Shares
PinterestGoogle+
 

بسم الله الرحمن الرحيم

ماكرون: من الاستعمار إلى الاستحمار

يلاحظ المتتبع لتحركات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منذ توليه الحكم يوم 7 ماي 2017 أنه ركز كثيرا في سياسته الخارجية على المستعمرات السابقة لفرنسا خاصة في إفريقيا، والسؤال الذي يفرض نفسه هو ما دوافع هذا التركيز، هل هو القطع الفعلي مع الماضي وبناء علاقات الند للند مع هذه الدول والحرص على مصلحة شعوب هذه الدول وتنميتها كما صرح بذلك غير ما مرة وفي أكثر من مناسبة، أم أن المرحلة تقتضي مكرا وخداعا و »استحمارا » لشعوب هذه البلدان حتى تسقط في شِباك الاستعمار اللغوي والثقافي بمحض إرادتها وهو أكثر خطورة من الاستعمار التقليدي. وأعتقد أن كشف الحقيقة لا يحتاج إلى كثير عناء، ذلك أن مشاهدة فقرات من خطابي الرئيس الفرنسي اللذين وجههما في نهاية الأسبوع المنصرم لكل من الجالية الفرنسية في تونس، والبرلمان التونسي، كافية لاستنباط الأهداف الحقيقية من وراء هذا الاهتمام، الذي قد يصفه البعض بالمبالغ فيه، في الوقت الذي تتخبط فيه فرنسا نفسها في مشاكل بنيوية لا حصر لها. لذلك سأقتصر على بعض الجوانب التي بدت لي مهمة في الخطابين من خلال الملاحظات التالية:

أول ملاحظة تستوقف المشاهد لهذين الخطابين هي طول مدة كل منهما، بحيث دام الأول أي الموجه للجالية الفرنسية 18 دقيقة بينما دام الثاني 52 دقيقة، ومن ثم فالتساؤل الذي يفرض نفسه هو: لماذا يخصص رئيس دولة كبرى، وقته من ذهب كما يقال، وقتا لممثلي الشعب التونسي يعادل 3 أضعاف الوقت الذي خصصه للجالية الفرنسية، هل أصبح التونسيون أهم من الفرنسيين؟ أم أن انتفاضة هذا الشعب ضد الفساد والمحسوبية، بل وأن الدوافع الحقيقية لهذه الانتفاضة أصبحت تزعج المصالح الفرنسية؟ ومن ثم لا بد من استعمال جميع الوسائل للالتفاف عليها بالشكل الذي يضمن استمرارية هيمنتها على البلاد والعباد.

ثاني ملاحظة هي الجرأة التي يتحدث بها لممثلي الشعب التونسي حتى أنك إذا استبدلت بعض العبارات بأخرى يخيل إليك أنه الرئيس الفعلي لتونس، ذلك أنه أثنى على شجاعة وقوة الشعب التونسي في انتفاضته معتبرا أن ذلك ليس وليد صدفة، وإنما ناتج عن اختيار تونس لتربية شعبها بشكل غير مسبوق، ولا يمكن مقارنته مع مجمل الشعوب العربية!، كما أثنى على نجاح الثورة الثقافية في الحاضر كما كانت ناجحة في عهد سابق (ويعني بذلك عهد بورقيبة الذي كثيرا ما كان يردد أن تونس تختلف عن غيرها وتملك مقومات وخصوصيات تجعلها فريدة ومميزة داخل الاقليم العربي حسب الكاتب التونسي نزار بولحية) ووصف المخاطبين، ولعل الخطاب موجه للسبسي ومجموعته، بالإقدام حيث يقول: في الوقت الذي بدا أن قيم العالمية وحرية الضمير تتوارى وأن احترام الآخر بدأ يضيع، قمتم ليس فقط باستعادتها، وإنما بكتابتها وإقرارها ودسترتها، ليفصح مباشرة بعد ذلك أن القيم المعنية هي المساواة بين الرجل والمرأة والتي نوه في شأنها بشكل مباشر بالسبسي وبقراراته التي وصفها بالشجاعة في إطلاق حركة مساواة الرجل والمرأة في الإرث وفي الزواج معتبرا أنه لا رجعة فيها، ثم يواصل بنفس الجرأة التي هي في الحقيقة تَجَرُّؤا عندما يصف أن بهذه « الثورة الثقافية والديموقراطية » تم عبر العالم تكذيب كل الذين يقولون إلى اليوم بعدم تساوق المجتمعات التي يؤطرها الإسلام مع الديموقراطية ومع عدم الفصل بين الدين والدولة.

ثالث ملاحظة هي إبرازه للصعوبات التي تعترض جني ثمار الربيع التونسي، حتى يُفْهَم أن التونسيين غير قادرين على حل مشاكلهم بأنفسهم، ليبادر بأن فرنسا ستعمل كل ما في وسعها لمساعدتهم (لا شك أن الضمير هنا يعود كذلك على السبسي ومن معه) خاصة وأنه يعتبر بأن هذه المساعدة تتجاوز مساعدة صديق بعيد أو صديق فحسب، إلى مساعدة أخ أو أخت، وذلك في نظره بسبب وجود تاريخ مشترك ولغة مشتركة اعتبرها عنصر قوة لتونس!!!.

الملاحظة الرابعة هو حرصه الثابت على بناء التعددية والحفاظ عليها سواء في المغرب أو المشرق أو الشرق الأوسط بما يسمح باحترام الأقليات كيفما كانت سياسية أو إثنية أو دينية، ومن ثم ضمان الاستقرار!!!، ولقد اعتبر أنه من واجبه في جميع هذه المناطق مساعدة شعوبها على بناء اختيارها السيادي، ليُفْرِغ هذا المصطلح من مدلوله مباشرة بإتْباعه بجمله استئنافية مُؤداها أن هذا الاختيار يتم في إطار التأكد من احترام حقوق الأقليات، التي أصبحت بمثابة مسمار جحا كما يقال للتدخل في شؤون كل دولة فَكَّرتْ في الانعتاق من العبودية، وفي إطار احترام القيم المشتركة التي لا يمكن أن تكون سوى قيم الغرب عموما وفرنسا خصوصا.

الملاحظة الخامسة تتمثل في التأكيد على أهمية التربية، لكن من المنظور البورقيبي الذي سيتم دعمه من خلال مجموعة من الإجراءات أهمها التحالف (alliance) الفرنسي، حيث بالإضافة إلى التحالف الذي تم تدشينه، سيتم تدشين 6 تحالفات أخرى عبر التراب التونسي خلال هذه السنة، ونظرا لعِلْمه بما لهذا المصطلح من حمولة ثقافية سلبية لدى الشعب التونسي، فقد حاول التظاهر بدور المحايد، حيث أشار إلى أن هذا المشروع قَرَّرهُ التونسيون والتونسيات بالاستناد إلى ميثاق يَبْني العلاقات مع فرنسا، وذلك من أجل تدريس اللغة الفرنسية أكثر مما هو عليه، ومن خلالها استهداف التربية، والانفتاح أكثر على الثقافة، وتعديد الشراكات والمشاريع الثقافية..

والملاحظة السادسة وهي الملاحظة الأخيرة التي أتوقف عندها في هذا المقال على أن أعود للموضوع في فرصة أخرى بإذن الله، هي ما يتعلق بالتزام السيد الرئيس بالفرنكوفونية، في الوقت الذي حاول أن يُفهم مستمعيه بأنها ليست مشروعا فرنسيا، وإنما مشروع حَمَلتْهُ تونس منذ عهد بورقيبة الذي أعاد التنويه به واصفا قراراته في هذا الصدد بالشُّجاعة، وللتذكير فإن بورقيبة من مؤسسي الفرنكوفونية رفقة كل من ليوبولد سيدار سنغور رئيس السنيغال، وهاماني ديوري رئيس نيجيريا، ونورودوم سيهانوك أمير الكمبودج، كما وصف تونس بالأمة العظيمة والمتحررة وأنها أرادت أن تُفسِّر للعالم بأن الفرنسية لغتها!!!، متمنيا أن يحملها التونسيون والتونسيات لأنها جزء منهم ولأنها جزء من اختياراتهم التاريخية ولأنها جزء من نجاحهم اليوم وغدا!!!

خلاصة القول هو أن ماكرون:

يذر الرماد في الأعين بتركيزه على حق الأقليات ليترك الباب مفتوحا على مصراعيه للتدخل كلما بدى له أن زمام الأمر قد خرج من يد السبسي وأمثاله في باقي المستعمرات السابقة.
يحاول إيهام التونسيين وكل الدول المسماة قهرا بالفرنكوفونية بأن خَلاصها في الفرنسية وثقافتها، وهو يعلم من جهة بأن الفصل الأول من الدستور التونسي ينص على أن  » تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها ولا يجوز تعديل هذا الفصل »، ومن جهة ثانية يتجاهل النتائج الكارثية لهذه الأخيرة على الدول الإفريقية التي هجرت لغاتها واتخذت الفرنسية لغة رسمية لها.
يعمل جاهدا على تثبيت حُكمٍ بتونس على غرار حُكم بورقيبة، وهو ما لا يدع مجالا للشك على أن لفرنسا يد في تولي السبسي رئاسة البلاد نظرا للتشابه الشديد بين السيرة الذاتية للرجلين، ذلك أن الأول كان ينزع بيده الحجاب من على رؤوس التونسيات في الشارع، وأنه حاول أن يستصدر فتوى للإفطار في رمضان بحجة ضعف مردودية الصائمين، فيما اجتهد الثاني في تسوية الذكور والإناث في الإرث وتزويج التونسيات بالكفار. وما يتعمد ماكرون تجاهله، ومن خلاله استحمارنا واستحمار الشعب التونسي، هو أن الربيع التونسي لم يكن وليد الساعة ولا الصدفة وإنما له جذور تاريخية أهمها البورقيبية التي أوصلت البلاد إلى ما آلت إليه، وأن الأمة التونسية لن ترضى غير الإسلام دينا، ولهذا شواهد تاريخية من بينها جامع الزيتونة وما خرَّجته من علماء أمثال الطاهر بن عاشور الذي قال كلمة الحق في وجه بورقيبة حينما تلى قول الله تعالى « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » عندما جمع له العمال على أساس إقناعهم بعدم الصيام أثناء العمل.

في الختام أقول إن عهد استحمار الشعوب قد ولى، فالمشاكل التي تعيشها فرنسا والفرنسية نفسهما أظهر للعيان من أن يحاول أيا كان أن يقنع أيا كان بالعكس، باستثناء أولئك الذين ذاقوا لبَنَها واستعصت عليهم عملية الفصام في بلد قال شاعرها:

إذا الشعب يوما أراد الحياة ــــــ فلا بد أن يستجيب القدر.

الحسن جرودي

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

1 Comment

  1. أحمد الجبلي
    11/02/2018 at 13:20

    حياك الله وبياك أستاذ حسن على هذا المقال الرائع.

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.