Home»International»استهانة المستشرقين الألمان باللغة العربية وإهمالهم لها : (1) خبرات وملاحظات شخصية.

استهانة المستشرقين الألمان باللغة العربية وإهمالهم لها : (1) خبرات وملاحظات شخصية.

0
Shares
PinterestGoogle+
 

فريدهيلم هوفمان

تقديم:
كما وعدني، هاهو المستشرق والمؤرخ الألماني « فريدهيلم هوفمان »،يقدم لقراء هسبريس ،وللمهتمين بوضعية اللغة العربية في العالم،الحلقة الأولى من سلسلة مقالات ،تشتغل على وضعية هذه اللغة في الحقل الاستشراقي الألماني؛انطلاقا من تجاربه الشخصية،في الوسط الجامعي الألماني،وبصفة خاصة جامعة « توبينغين » ،والمراكز البحثية التي يتعامل معها.
حتى وان تعثر أحيانا قلم هذا الباحث الألماني الفذ و الغيور على لغة الضاد- كما يحدث مع الكثير من كتابنا – فأفكاره تعبر إلى القارئ بكل وضوح؛وهذا ما شجعني على ألا أتصرف ،تصحيحا، في المتن الأصلي.
وقلت أيضا بيني وبين نفسي: ليبق النص على أصله،لنعرف درجة تمكن الرجل من لغة شاقة التعلم حتى على الناطقين بها.
تحياتي للصديق هوفمان؛منتظرا من هسبريس ،كما عودتنا، الاهتمام بهذه الحلقات التي تفتح بوطننا الرقمي الأزرق نافذة جديدة.
رمضان مصباح الإدريسي

أفتتح سلسلة مقالاتي في « استهانة المستشرقين الألمان باللغة العربية وإهمالهم لها كلغة حديثة للعلم والتواصل » بالحلقة الأولى وعنوانها الفرعي « (1) خبرات وملاحظات شخصية تمهيداً ».
قد يستغرب القارئ العربي بمباشرتي هذا الموضوع المثير للجدل كوني باحثا ألمانيا وألماني الأصل. لا تعود أصول أسرتي إلى العالم العربي, وأنا الوحيد في أسرتي الذي يتقن العربية. فلماذا أنا ولماذا هذا الموضوع؟

قبل أن أدخل في صميم الموضوع, أريد أن أعتذر للقارئ العربي من أخطائي اللغوية وركاكة لساني كلّما أتعثّر في منزلقات لغة الضاد. إنّي أعرف جيداً أنّ عددا هائلا من العرب المهاجرين قد أقاموا مدّة تتجاوز السنين والعقود في مهجر الغرب حيث تعمّقوا في معرفة اللغات الغربية وإتقانها إلى حدّ لن أصل إليه بالنسبة للغة العربية في حياتي على كلّ الاحتمال. لكنّ وضعي كباحث غربي كان ينوي تعلّم العربية الفصحى لا يساوي وضع المهاجرين العرب في الغرب, لإنّ المجتمع والمنظومة العلمية الغربية خصيصا لا يشجّعان على تعلّم لغات غير أروبّية إلّا لغات شرق آسيا أيْ لغات البلدان المتقدّمة جداً صناعياً وتكنولوجياً مثل الصين واليابان. الأمر الذي يشكّل موضوع سلسلة المقالات هذه بالضبط. مع أنّي أحسّ بمحدودية إتقاني اللغة العربية, أتجرّأ على مباشرة هذا الموضوع الشائك والخطير علماً بأنّ هناك عائقةً بين العالمين الناطقين الأوّل بالعربية والثاني بالألمانية لا تبرير لها أبداً. بل هذا الحاجز مصطنع يسبّبه قطاع من قطاعات بيروقراطية الدول الغربية فاشل في وظائفه وداسّ ضدّ من لا ينتمي إليه. لنحدّدْ هذا القطاع فإنّه تمثّله بعض المخابرات الخارجية للدول الغربية مثل « دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية » المسمّاة بالألمانية ب
Bundesnachrichtendienst (BND) <https://ar.wikipedia.org/wiki/دائرة_الاستخبارات_الاتحادية_الألمانية>
إنّي أتّهم عملاء وعميلات دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية المتخفّون في داخل الهيئة الأكاديمية الاستشراقية كأساتذة وباحثين بأنّهم يطبّقون قاعدة سرّية تقول بعدم استخدام اللغة العربية الفعّال في إطار الدراسات الاستشراقية الألمانية وبأنّ من يتجاوز هذه القاعدة ـ ولو عن الجهل بها ـ فيدسّون ضدّه ويخرجونه من حقل هذه الدراسات. هكذا علّمتني خبرتي الطويلة والمخيبة للأمل في الاستشراق الألماني المتخصّص بالعالم العربي.

لنبتدئْ ببعض الأمثلة التي يمكننا الالتقاء بها والعثور عليها في وسائل الإعلام الدولية أو في المنظومة الاستشراقية كما أتذكّرها. إمّا قد عشتُها شخصياً وإما سمعت عنها أو قرأت عنها أو شاهدتها في التلفزيون. فمثلاً أتذكّر فيديو شاهدته على شبكة الإنترنت كانت المتكلّمة بسم أكاديمية حلف الناتو الواقعة في روما تشرح على المتفرّجين أسباب اندلاع ثورة الربيع العربي في تونس. فأخبرت المتفرّج الغربي بأنّ التوانسة يتقنون اللغة الفرنسية بجانب العربية لغتهم الأمّ والفرنسية هي الوسيلة الممكّنة إيّاهم باستخدام الإنترنت. فلولا الفرنسية لما وسعهم استخدام الإنترنت, وربّما ما حدثت الثورة أصلاً.
لا أريد أن أتدخّل في مكانة اللغة الفرنسية في تونس ولا أنكر دورها الإيجابي فيها. لكن ما فاجأني في حديث المتكلّمة بسم أكاديمية حلف الناتو أنّها ربطت عواقب ونتائج الحداثة بالفرنسية فحسب ونسيت وجود العربية كلّيا, كأنّ اللغة والخطّ العربيين لم يدخلا عصر الحاسوب والإنترنت بعد وذلك في نهاية عام 2010م.

لِنتابع الأمثلة ونختَر هذه المرّة معهد العلوم السياسية التابع لجامعة توبينغين جامعتي الأمّ وبخاصّة فرعه المتخصّص بسياسة البلدان العربية وسأطّول الكلام عنه في إحدى حلقات هذه السلسلة القادمة. في يوم من الأيّام وكان التاسع والعشرين من أكتوبر 2014 بالضبط حضرتُ ندوة علمية في المعهد كان الأستاذ الدكتور ديتريش يونغ من جامعة جنوب الدانكارك يلقي فيها محاضرة موضوعها « مفهوما « الذاتية » و »الحداثة » في الخطاب العامّ في مصر والأردنّ ». فكنت أتوقّع أنّه كخبير في شؤون المجتمعات العربية يجيد اللغة العربية بطلاقة. فطرحتُ عليه سؤالا بسيطا بالعربية مع أنّه ألقى المحاضرة بالإنكليزية أصلا, علماً بأنّ موضوع محاضرته يخصّ الرأي العامّ المصري والأردنّي. لم أستطع أن أتصوّر أنّ باحثاً جدّيا يجرؤ على استطلاع الرأي العامّ في مجتمع من المجتمعات العربية ولا يتقن العربية. لكنّ الأستاذ يونغ شرع يغضب عليّ, حينما حاول أن يجيب على سؤالي لأنّه لم يفهمه أصلا. في نهاية « جوابه » اتّهمني بأنّ من يطرح مثل هذه الأسئلة ـ يقصد بالعربية ـ لا يريد إلّا الضحك عليه. بكلمات أخرى, من يتجرّأ على التحدّث معه بالعربية فيتجاوز حدود الأدب الأكاديمي عند الباحثين المتخصّصين بدراسة البلدان العربية ـ هكذ ! مع ذلك كنت أصرّ على إعادة طرح سؤالي ولو بالإنكليزية هذه المرّة. فمنعني الأستاذ المشرف على الندوة من إعادة السؤال. أصررت عليها عدّة مرّات, فهدّدني الأستاذ المشرف بالطرد من القاعة, إذا لم أتوقّف عن إصراري. ثمّ قرّرت ألّا أعيد السؤال, بل أخرج من قاعة معهد العلوم السياسية, لإنّي سأكون بحاجة إلى مكتبة المعهد في المستقبل كذلك. خارجا من القاعة اتّهمتُ الأساتذة بأنّ سلوكهم سلوك عملاء المخابرات وحسب. فردّ عليّ الأستاذ المشرف على الندوة بأنّه كان يجب عليّ ألّا أطرح سؤالا بالعربية

مثل ثالث من « مركز الشرق الحديث » الواقع في العاصمة الألمانية برلين وكنت فيه موظّفا علميا أيْ باحثا في الشؤون العربية قبل عدّة سنين. حدث لي أنّ أحد الأساتذة الزوّار الأمريكان ألقى محاضرة هناك وكان الحضور إجباريا على موظّفي المركز. فقرأتُ ـ تمهيدا لحضور المحاضرة ـ مقالة له كانت قد نُشرت في مجلّة استشراقية إلكترونية واستغربت لإنّ معظم النصوص العربية المترجمة إلى الإنكليزية من قِبله كانت خاطئة وبعيدة جدّا عن معناها الأصلي بالعربية. لو حاول ذلك الأستاذ أن يدخل امتحان اللغة العربية على مستوى البكالوريوس, لَلم ينجح أبداً. فكيف صار أستاذاٌ ؟ كان يدّعي من خلال « ترجماته » بأنّ « تنظيم القاعدة » يكسب جاذبيته من جذر « ق ع د » ومعناه اللغوي. في نهاية المطاف استأذنتُ مديرية المركز بأن أطوّل الحديث في ترجماته الخاطئة وكيف توصّل هو منها إلى النتيجة الغريبة القائلة بأنّ جذر « ق ع د » يؤثّر على لاشعور العرب ويجرّهم إلى التفكير الإرهابي. فأخبرتني نائبة المديرة بأنّ المديرة تفضّل ألّا أدخل في تفاصيل محاضرة الأستاذ الأمريكي هذه

عندي عشرات أو ربّما مئات من هذه الأمثلة عشتُها أو قرأتها أو سمعتها أو عنها, وخلاصتها أنّ سواد المستشرقين الألمان خاصّة والغربيين عامّة لا يبذلون جهدا يُذكر لتعلّم العربية, ولولا « الواسطة » الاستخبارية, لَلم يترقّوا هُم في السلك الأكاديمي قطّ

هذا سيكون موضوع السلسلة التي وعدت بها صديقي المغربي الأستاذ رمضان مصباح الإدريسي. وأتمّنى أنّ موضوعي يفيد القارئات والقرّاء العرب وأنهم ويطرحون عليّ أسئلتهم وأنّنا ندخل في مناقشة مثمرة ومفيدة للجانبين.

ولكنّ ولكم فائق تقديري واحترامي

الباحث والمؤرّخ الألماني فريدهيلم هوفمان

Friedhelm Hoffmann M.A. / فريدهيلم هوفمان
(ماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر ودراسات الحضارة الإسلاميةة)
Tübingen / توبينغين

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.