Home»International»من الانقلاب الانتخابي إلى شكل آخر من الانقلاب على ثورة الربيع في تونس

من الانقلاب الانتخابي إلى شكل آخر من الانقلاب على ثورة الربيع في تونس

1
Shares
PinterestGoogle+
 

من الانقلاب الانتخابي إلى  شكل آخر من الانقلاب على ثورة الربيع في تونس

محمد شركي

لقد انطلقت شرارة الربيع العربي من أرض تونس ، وكان الشعب التونسي في طليعة الشعوب العربية المنتفضة ضد الفساد السياسي . وكان من الطبيعي أن تبدأ تلك الشرارة من تونس التي عرفت استبدادا وفسادا سياسيين بلغا أوجهما . واندلعت بعد ذلك ثورات وحراكات في طول الوطن العربي، وكان القاسم المشترك بينها هو مناهضة الاستبداد والفساد ، وضجر الشعوب العربية من وضعية ما بعد النكبة وتداعياتها التي أفرزت أنظمة فاسدة تلهث وراء التطبيع مع الكيان الصهيوني المحتل على حساب  القضية الفلسطينية ، وعلى حساب كرامة الأمة العربية .  وما كادت بعض ثورات الربيع العربي تسقط أنظمة فاسدة حتى هرع الغرب  منزعجا للتدخل من أجل منع نشأة الديمقراطية الفتية في الوطن العربي خصوصا بعدما أفرزت التجارب الانتخابية وصول بعض الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية إلى مراكز صنع القرار .وبدون تردد خطط الغرب مع أنظمة عربية متوجسة من ثورات الربيع العربي لسلسلة انقلابات على الديمقراطية كان أولها في مصر حيث كان الانقلاب العسكري الفاضح والمكشوف، والذي لم يحرك العالم الغربي الوصي على الديمقراطية ساكنا كما جرت العادة عند حدوث انقلابات عسكرية على الأنظمة الشرعية المنتخبة ديمقراطيا، بل كان الغرب هو المخطط لهذا الانقلاب ،وكانت الأنظمة المتوجسة من ثورات الربيع العربي هي الممولة  له . ولم يكن بوسع الغرب ومن معه من تلك الأنظمة تكرار تجربة الانقلاب العسكري في تونس حتى لا يفتضح أمرهم ، فكان الانقلاب الانتخابي حيث صار الحزب ذو المرجعية الإسلامية المتصدر لنتائج الانتخابات الديمقراطية في مرتبة دون من جاء بعده ترتيبا للحيلولة دون ممارسته حقه في قيادة البلاد . و مباشرة على إثر الانقلاب العسكري على التجربة الديمقراطية الفتية في مصر، بدأ الغرب يسوّق فكرة مواجهة أو محاربة ما سماه الإسلام السياسي ، وهو يقصد تحديدا الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية التي راهنت عليها الشعوب العربية للتخلص من الفساد السياسي . ومن أجل شرعنة مواجهة تلك الأحزاب اختلق الغرب ومن معه عصابات إجرامية تمارس الإجرام باسم الدين ، وبثها في دول  عربية كانت تعرف ثورات على غرار ثورات غيرها من أجل إفشالها ، وتحويلها إلى صراعات طائفية ، وكان هذا شكلا من أشكال الانقلاب على ثورات الربيع العربي . وسهل على الغرب ومن معه من الأنظمة المتوجسة من تلك الثورات إلصاق تهمة تلك العصابات الإجرامية بالأحزاب ذات المرجعية الإسلامية على اعتبار أن تلك العصابات تنهل من نفس المرجعية  التي صارت تسمى إسلاما سياسيا مرفوضا بالنسبة للغرب ومن معه . وتحت ذريعة محاربة تلك العصابات الإجرامية المشوهة للإسلام تم القضاء على بعض ثورات الربيع العربي حتى  لا تفضي إلى ما أفضت إليه ثورة مصر وثورة تونس . وبين عشية وضحاها ألحق  حزب الحرية والعدالة المصري حسب توصيف الانقلابيين بالعصابات الإجرامية ،كما ألحقت  بها حركة المقاومة الفلسطينية الإسلامية ، واتضح الهدف من وراء الانقلاب العسكري في مصر بشكل جلي ، وأكده ما أعقبه من تداعيات بدأت بمؤتمر الرياض، وانتهت بإعلان الإدارة الأمريكية  قرار اعتبار القدس عاصمة للاحتلال الصهيوني ، وما بينهما من أحداث تدور كلها حول فكرة تهيئة الأجواء لما سمي صفقة القرن بعد إسكات كل الأصوات المعارضة لها من خلال توظيف تهمة الإسلام السياسي  ضدها . وبذريعة هذه التهمة زج بالعلماء  والدعاة في السجون والمعتقلات باعتبارهم المنظرين له . وعلى  ما بين التيار السلفي  الوهابي وتيار الإخوان المسلمين  من بعد الشقة أو بعد التوجه والمنهج ،فإنهما قد وضعا في خانة  واحدة هي خانة الإسلام السياسي  الذي يرفضه الغرب ومن يواليه  . وبكل بساطة عمم  المناهضون لما يسمونه الإسلام السياسي  وصف  السلفية والأصولية أوالوهابية والإخوانية على كل من يصدر عن مرجعية إسلامية  سواء كانوا أفرادا أو جماعات أو هيئات وأحزاب  في طول الوطن العربي وعرضه لتسهيل إلصاق التهمة بهم ، ولتسهيل العودة بالوطن العربي إلى وضعية ما قبل ثورات الربيع العربي ، وهي الوضعية المناسبة لتمرير صفقة القرن المشبوهة .

وما يحدث اليوم في تونس عبارة عن خطوة موالية لخطوة الانقلاب الانتخابي عن طريق انقلاب أمني  لقمع الانتفاضة الشعبية ضد عودة وضعية ما قبل الربيع التونسي . وهكذا تأكد أن الانقلاب العسكري على التجربة الديمقراطية الفتية  في مصر لن يكون الانقلاب الوحيد بل ستتلوه أشكال أخرى من الانقلابات بأساليب مختلفة ،ولكن بهدف واحد هو الحيلولة دون حصول ديمقراطية تأتي بأحزاب ذات مرجعية إسلامية إلى مراكز صنع القرار في الوطن العربي والرافضة للمساومة في قضية الأمة الأولى  . وتجند الجهات التي تقف وراء هذه الأشكال الانقلابية على ثورات الربيع العربي كل طاقاتها وإمكانياتها لتحقيق هدفها . وتوظف تلك الجهات الإعلام  المأجور للنيل من كل توجه إسلامي  من شأنه التصدي لصفقة القرن . وهكذا انبرى هذا الإعلام المشبوه للتشكيك في علماء الأمة ودعاتها والنيل منهم لصرف  الرأي العام العربي عنهم ،ومحاولة إقناعه ببديل  هجين عنهم من شأنه أن يسهل تمرير صفقة القرن دون إثارة حساسية هذا الرأي العام ضدها إلا أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن تلك الجهات . ولقد أخطأت الإدارة الأمريكية الحساب والتقدير حين تسرعت في اتخاذ قرار الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني المحتل ظنا منها أن الأجواء صارت مناسبة وأن الوقت قد حان للإعلان عن ذلك . ومن غير المستبعد أن  يلعب هذا الإعلان دورا مهما في عودة ثورات وحراكات الربيع العربي التي تورط الغرب  بشكل مكشوف في محاولة إجهاضها ، وقد بدأت بوادرها في شكل احتجاجات مطلبية  لتحسين ظروف العيش ، ومناهضة الفساد  الذي ظل كما كان قبل حراكات الربيع العربي . ولا يمكن بحال من الأحوال إبعاد القضية الفلسطينية من الحساب والتقدير حين يتعلق الأمر بتلك الحراكات، ذلك أن الأمة العربية قد تتحمل ظروف العيش القاسية ، و قد تتحمل الفساد  السياسي وما يترتب عنه من أنواع الفساد الأخرى لكنها لن تقبل أبدا بأي شكل من أشكال المساومة في قضيتها الأولى قضية فلسطين، والقدس، والمسجد الأقصى  المبارك . ولن يسكت العلماء والدعاة  أبدا عن محاولة طمس معالم هذه القضية ذات البعد الديني ، ولن ينفع معهم أسر أو اعتقال أو تشويه لأنهم يؤدون واجبا دينيا يتحملون مسؤوليته أمام الله عز وجل ، وأمام الأمة ، وأمام التاريخ . ولو اجتهدت الأنظمة المتورطة في تمرير صفقة القرن كل اجتهاد لفرش الورود للأمة ، وتوفير العيش الرغيد لها فلن تقبل بهذه الصفقة أبدا، وهي الصفقة التي ستدق لا محالة آخر مسمار في نعوش الكيان الصهيوني والكيانات اللاهثة وراء التطبيع معه  لضمان  وجودها واستمرار استبدادها وفسادها على حساب كرامة الأمة ، وعلى حساب قضيتها  العادلة. ولن يطول انتظار أمة تترقب عودة مجدها ، وصدق من قال :

فإن يك صدر هذا اليوم ولّى = فإن غدا لناظره قريب

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.