الانقلاب على أردوغان: هل فشل حقا؟


    


                         رمضان مصباح الإدريسي

مغربة الانقلاب:

قبل تقديم وجهة نظري في موضوع الانقلاب – وهو بصيغة جديدة- على رئاسة الإسلامي/الاسلاموي  رجب طيب أردوغان لدولة تركيا ؛سليلة الخلافة  الإسلامية العثمانية ،التي عمرت طويلا؛ والتي انتهت – بعد عنفوان- رجلا مريضا، يثير بهجة و نهم الغرب ،وليس شفقته.

قبل هذا لا بد من إثارة الانتباه إلى ظاهرة ” مغربة “الانقلاب التركي- وقبله المصري – باعتبارها ظاهرة سياسية مغربية تحتاج الى دراسة أكاديمية ترتب نتائج واجبة الاستثمار من طرف رجال الدولة والسياسة.

اشتغلنا،مغربيا، على الانقلاب التركي،من زوايا متعددة:

*الآراء “الشخصية “لبعض وزراء حزب العدالة والتنمية،وعلى رأسهم رئيس الحكومة ؛وقد أوقعت المواطنين في لبس كبير؛ للتماهي الحاصل بين الموقعين ،الرسمي والحزبي.

*الموقف الرسمي لحزب العدالة والتنمية من الانقلاب.

*المواقف المعبر عنها من طرف العديد من أقطاب اليسار.

*اكتساح الكتائب الرقمية لحزب العدالة والتنمية ،وسائر التيارات الاسلامية،لمواقع التواصل الاجتماعي ،والحواشي السفلية لكل المقالات التي واكبت الانقلاب وعقابيله.

*الموقف الرسمي للحكومة المغربية ؛حيث يبرز بصفة خاصة التذكير بمقتضيات الدستور التركي للجم النفير الأردوغاني صوب القصاص .

*العصف الذهني الانقلابي، الذي أنسى عموم المواطنين في مشاغلهم اليومية ،ليجعل منهم مواطنين أتراكا يفهمون الأردوغانية والغولانية ،بل حتى  في أسطمبول وجسور البوسفور، أكثر من بني عثمان أنفسهم.

*وأخيرا مواجهة مواطننا جواد مرون ،بصدر عار، ضمن الهبة الشعبية التركية،لدبابات الانقلابيين ؛مُوَقعا بدمه على حضور شعبي مغربي مباشر في أحداث تركيا. رحمه الله وألهم ذويه الصبر.

على ماذا يدل كل هذا الاهتمام المتعدد المستويات؟

*هل يتعلق الأمر بتأثير الصراع السياسي الداخلي ،بين جبهتي الحداثة والمحافظة؟

*هل يتعلق الأمر باحتقان سياسي  داخلي ،وجد متنفسا له في الخارج ؛لدى الآخر المشابه؟

*هل يرتد الأمر إلى حُمَّى الانتخابات التشريعية القادمة؛التي جعلت حزب العدالة والتنمية – بالخصوص – يرى  في الانقلاب ريعا دعائيا،و غيثا مغيثا  من السماء ؟

* هل عاش خصوم الحزب ،لساعات ،حلما سياسيا لم يتحقق: فُرجة قطع الرأس هناك ،وتلمس الجسد المحتضر هنا؟

ومهما يكن فنحن أمام ظاهرة سياسية واجبة التحليل الموضوعي ؛لتعميق فهمنا لهذا المجتمع المغربي ،الذي دخل مرحلة النضج السياسي الرقمي ؛من باب مغربة الحدث الخارجي ،وتدويل الداخلي.

أي انقلاب فشل ،وأي انقلاب نجح؟

كل ما اطلعت عليه ،من أمر هذا الانقلاب ،الذي يبدو أنه لم يفاجئ الرئاسة التركية ،وجدته يضع نصب عينيه –معيارا – النموذج التقليدي للانقلابات؛التي استوت مدرسة افريقية ،بالخصوص، في تدبير الدول:

  عصيان عسكري ،استيلاء على وسائل الإعلام الرسمية،بث بيان الانقلابيين،محاصرة المرافق الإستراتيجية للدولة،قتل الرئيس أو سجنه أو فراره.

تنتهي النازلة الدولتية بتنصيب رئيس جديد ؛يشرع منذ يومه في تصفية خصومه ،وتحصين حكمه ،في انتظار ظهور تلميذ له، نجيب ،يطيح به .

 في إفريقيا – كما كان – ترقص أكتاف المواطنين،ومؤخرات المواطنات، في الشوارع ، أياما وليالي، ثم يتفرقون في انتظار موسم آخر للهجرة صوب القصر الرئاسي.لا أحد يسأل مع من جاءت الديموقراطية ، ومع من ذهبت..

هذا النموذج التقليدي لم يتحقق في تركيا أخيرا:

بسبب انتفاء عنصر المباغتة ؛نظرا للتدخل الروسي المبكر ؛إذ يورد تقرير راج بالكريملن ،منذ شهور،إلى اقتناع المخابرات الروسية بوجود مؤامرة  تدبرها دولة غربية كبرى لتصفية الرئيس أردوغان وحكمه.  يتحدث بعض المحللين عن أوامر حيطة، استباقية، صدرت من الرئيس بوتين إلى بعض أسطوله الجوي النووي،لمواجهة حدث دولي وشيك الوقوع .

سلامة الرئيس أردوغان ،رغم الأزمة العابرة،لا تقدر بثمن بالنسبة لبوتين.

كأن المؤامرة هِبة من السماء ،لروسيا،لقلب الأوضاع في سوريا لصالح الرئيس بشار الأسد.

لعل أول زيارة خارجية لأردغان،بعد الوثبة العسكرية المتمردة، ستكون إلى موسكو ،عرفانا بالجميل ؛وأكثر من هذا تدشينا لمرحلة جديدة في الشرق الأوسط.

الفاشل الأكبر في هذا الأمر معروف، وقد تعود على ألا يصيب حتى يرتكب كل الأخطاء.

بعد السرية القصوى شاع الأمر ،أياما قبل التنزيل ،حتى وصل إلى صدور أوامر الحذر من دول أوروبية إلى سفاراتها بأنقرة .يُذكر أن بعض الدول العربية أريد لها أن تعلم بما يُخطط له.

نحن بخصوص هذه النازلة  إزاء رئيس دولة إسلامي، منتخب ،ديمقراطيا في وطنه ؛ لكن كبريات الدول الديمقراطية غير راضية عنه؛رغم مكانة الجيش التركي ضمن الحلف الأطلسي ،وكون الدولة قاب قوسين من ولوج الاتحاد الأوروبي ،من باب العضوية الكاملة.

هل يتعلق الأمر بنصرته ،غير المشروطة ، لداعش؟   هل يرتد الأمر إلى انتصار الدول الغربية  لحق الشعبين السوري والعراقي في بترول تنهبه داعش، وتشتريه منها تركيا ،لتضخه في الدورة البترولية الدولية ،عبر ميناء أيلات الإسرائيلية؟( يتحدثون عن مقاولة بترولية أردوغانية ،عائلية، كبرى، يديرها ابن الرئيس التركي )

هل يتعلق الأمر بمقت شديد يواجه نزوع أردوغان صوب إحياء السلطنة العثمانية ،بل الخلافة ،التي تحكمت لقرون  في أغلب العالم الإسلامي ؛بل دحرت غيرما مرة قوات شرقية وغربية كبرى  ؟

وتتناسل الأسئلة ،ومعها تتناسل إجابات غدت مؤكدة:

*سيولة الحدود التركية صوب داعش في العراق وسوريا.

*الدعم المادي والعتادي لهذه الفتنة الإرهابية المشتغلة في اتجاهات شتى.

* التأكيد الروسي –والروسي فقط- لوجود قوافل بترولية داعشية، تسير يوميا من سوريا والعراق الى تركيا.

*الانقلاب على علمانية الدولة التركية ،التي ارتضاها الغرب جوارا ؛دون غيرها .

*عدم اطمئنان الكيان الإسرائيلي،وحماته، للقوة الاقتصادية والعسكرية التركية.

يبدو لي أنه بقدرما كان الانقلاب متوقعا من طرف الرئاسة التركية،ومن حاز سبق إحاطتها علما به؛بقدر ما كان” فشله” متوقعا،أيضا ،من طرف مدبريه  الكبارمن خارج تركيا.

 قد تكون اللعبة انطلت فقط  على بعض الضباط الأتراك ،فتوهموا أن المخططين الخارجيين مُجِدون في قلب فعلي آني للنظام.

دليل هذا الطرح هو ما لوحظ من تراخي الانقلابيين ،ومحدودية تمثيليتهم  للجيش التركي ،وعدم تواصلهم مع الأحزاب المعارضة داخل تركيا.

اعترف بعضهم بانخراطهم في خدمة أجندة جماعة فتح الله غولن المقيم بالولايات المتحدة؛والمتهم بتنفيذ أجنة وكالة المخابرات الأمريكية.

ودليله أيضا اقتصار أردوغان على دعوة المواطنين المدنيين  ،من أتباعه، الى النزول الى الشوارع لمحاصرة الدبابات ؛والحال أن الأمر يتطلب إصدار أوامر قتالية فورية إلى أغلبية الجيش التركي غير المشاركة في العصيان الانقلابي.مثل هذه الأوامر من صلب اختصاصات الرئيس الدستورية ؛في حالة تهديد أمن الدولة.  الاقتصار على المغامرة بالمدنيين –وقد مات منهم الكثير – يجب أن يكون موضوع مساءلة للرئيس. تضاف الى هذا – للمساءلة دائما- تحكيم المدنيين في رقاب العسكريين وظهورهم ؛جلدا وذبحا ؛مما يعد سابقة تركية ولادة للكثير من المكاره مستقبلا.

لماذا تم التخطيط،من جهات خارجية كبرى، لانقلاب فاشل ؟

أدفع هنا بما غاب عن المحللين الذين سجنهم، في معياره ، النموذج الانقلابي التقليدي :

أدفع بانقلاب أبيض – أو يكاد- كمدخل لتعامل جدي لاحق مع “إشكالية الدولة التركية” من حيث قرب انهيار علمانيتها ؛على يد “الخليفة” أردوغان.

انقلاب يُستدرج من خلاله الحزب الإسلامي التركي ،وعلى رأسه أردوغان ، لهزات سياسية ارتدادية ،تنتهي بظهور ثلمات وتشققات ،تجعل انهياره السياسي  يبدو ،بعد مدة ،طبيعيا ؛لتُعاود علمانية الدولة عنفوانها الأتتوركي ،الذي تضمنه المؤسسة العسكرية ؛مدعومة هذه المرة- اعتبارا للمد الإسلامي الأهوج – من طرف الدول الغربية.

هناك دلائل عدة تؤكد نجاح هذه الصيغة الجديدة من الانقلابات:

*تغذية أردوغان للنزعة الانتقامية لدى أتباعه.

*اهانة إعلامية وجماهيرية  واضحة للمؤسسة العسكرية ؛وصولا إلى التعرية والجلد في الشارع العام.(يتم الحديث عن الذبح أيضا،وعلى الطريقة الداعشية ).

*ظهور شبيحة أردغانية ،على الطريقة السورية؛بدت في غاية التدريب والجرأة على الدبابات.

*اتساع نطاق تسونامي الاعتقالات والإقالات- واللوائح القديمة الجديدة مفتوحة دائما – ليشمل كبار العسكريين ،والقضاة ،وكبار الموظفين وأساتذة الجامعات؛ مما بدا وكأنه انقلاب للدعوة على الدولة.

*تزايد طفرة الغرور السياسي في تصريحات أردوغان ؛مما يذكر بتصريحات الرئيس المصري محمد مرسي .

*بث مزيد من الخوف ،في دولة مرتعدة الفرائص؛حتى غدا أمر بعث عقوبة الإعدام مسألة أيام فقط.

كل هذا يؤكد على أننا إزاء طليعة جيل جديد من الانقلابات ؛يدفع بالرئيس – في غمرة الفرحة بإفشال الانقلاب -إلى الإطاحة بنظامه تدريجيا .

يبدو لي الآن أن الرئيس أردوغان يمارس الهاراكيري على طريقة الساموراي.

يريدها بيده لا بيد عمر ؛ويقسم ألا يموت إلا وقد ألهب تركيا نارا ؛انتقاما من هذا الغرب الذي لا يريد لحجر أن يعلو على حجر في هذه الخريطة الإسلامية التي كرهها حتى أبناؤها.

فعلها قبله القذافي وعلي صالح ،ويفعلها بشار ؛وتتواصل الحكاية ..

انقلاب فاشل بمعايير تقليدية ؛ناجح بمعايير جديدة.

أردوغان شجاع لكن لا علم له بالحرب. لقد دخل الغرب مرحلة جديدة من التخذيل .

فوضى الشرق الأوسط الكبير وصلت إلى تركيا ؛ومنها مرة أخرى النسخة الجديدة من سايس بيكو.

Sidizekri.blogvie. com

 

رمضان مصباح الإدريسي


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*