“أنا رب الإبل و للبيت رب يحميه”


     1


  جرت هذه القولة على كل الألسن منذ إغارة أبرهة(الأشرم) ملك الحبشة على مكة ، فأخذ من ابل قريش و ما تملكه مما وجده عندها  من أشياء ثمينة،عندما هرب أفراد قريش إلى شعاب مكة  خوفا من أبرهة وجنوده و فيلته. و يذكر انه أرسل إلى سيد قريش (عبد المطلب ) جد الرسول الكريم عليه الصلاة و السلام، يذكره أن مجيئه لأجل هدم الكعبة و ليس للاعتداء على رجال و نساء و أطفال قريش.و كان أبرهة كما تقول بعض المصادر يريد أن يسمع من سيد قريش رأيه في هذه الحرب لعله يسمع من سيد قريش إعلان الرغبة في الدفاع عن البيت.لكن عبد المطلب لم يطالب أبرهة بالعدول عن فكرة هدم البيت ليقينه في قدرة الله سبحانه أن يدافع عن بيته(بيت الله الحرام و الكعبة المشرفة)، بل سمعه يطالبه بإبله التي أخذها جند أبرهة من سيد قريش. فعجب  الملك لأمر عبد المطلب كيف يتنازل عن الدفاع عن البيت بينما يطالب بالإبل ، فقال قولته المشهورة التي أصبحت مثلا يدار على كل لسان كلما كانت المناسبة تدعو إلى ذلك (( انأ رب الإبل و للبيت رب يحميه)).

في خضم الحملة الانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية ،اجتمع كثير من المشجعين لمرشح الرئاسة  الجمهوري (دونالد ترامب) المناوئ للمسلمين و الداعي إلى طردهم من البلد ومنع الآخرين من دخول الولايات المتحدة الأمريكية. »فالإسلام يكره الولايات المتحدة » في نظره.لكن المعيبين عليه  يذكرونه بالتناقض الفاضح في سلوكه :فأغلب استثماراته المربحة كانت مع المسلمين، وأنه يشترك في مشاريع مع الإماراتي المقاول”حسين السجواني”. صحيح أنه يكره المسلمين الفقراء و لكن لا بأس بأموال المسلمين الأغنياء فهي محبوبة ومرحب بها.

في ظل هذا الجو الذي تعيشه الولايات المتحدة الأمريكية وهي أجواء الحملة الانتخابية و أجواء التجمعات. إنها  أجواء مشحونة بتبادل الاتهامات و الملفات السوداء لكلى الطرفين المتنافسين( هيلاري كلينتون و دونالد ترامب).إنها حرب الكراسي الرئاسية تمر في أعظم و أكبر دولة في العالم .و الفائز فيها  يتربع على عرش سيدة العالم  و يسير السياسة العالمية في السلم و الحرب .كسب النقط على الخصم، يتم بالبحث عن نقط ضعف الغريم، و لتكن من فصيلة الفضائح الأخلاقية فهي الضربة القاضية على مستقبل أي مرشح للرئاسيات.

و الآن يعاب على  (ترامب)كون زوجته وعارضة الأزياء سابقا ، استعملت في خطبتها  الأخيرة بعض العبارات التي سبق لزوجة الرئيس (أوباما ) استعمالها أثناء تقدمه للرئاسيات الأمريكية.وتعتبر هذه من بين الفضائح(أي  سرقة لكلام  حرفيا  من إنسان آخر). و يسعى فريق (كلنتون) لإبراز هذه السرقة و استغلالها سياسيا لأجل الإطاحة بالمرشح  الجمهوري المنافس.فكل الوسائل مشروعة في المصارعة السياسية(الانتخابات الرئاسية) و خاصة تلك التي تؤدي إلى الضربة القاضية على مستقبل أي مرشح.

أثناء هذه التجمعات البشرية المحيطة بالمرشح الجمهوري ،ظهر من خلال عدسات الكاميرا التي تنقل الحملة الانتخابية على أحد الأمريكيين المشجعين للرئيس المرشح (ترامب)، وهو يحمل قمصا قصيرا أبيض اللون كتب عليه بلون أحمر بارز، على واجهته عبارة  Allah is Satan.

و لا يخفى أن جمهور الناس المعني بهذه العبارة و المتوجهة له هذه السبة هم المسلمون. فرغم إيماننا بان الحرية إذا تجاوزت حدودها فإنها تنقلب إلى فوضى، فإننا نؤمن  كذلك أن الحرية إذا لم تقدها تربية متزنة تتحول إلى فتنة و إلى شذوذ فكري.

فهل نقول أن الأمريكي حر أن يؤمن بما يشاء حتى لو كان ما يعتقده  و ما يكتبه على صدره مستفز لمشاعر الآخرين و خاصة لمشاعر كل المسلمين؟

أم له كل الحق أن يفعل ما يريد، لأنه بكل بساطة  في بيته، و في وطنه ومع بني قومه(رغم تحفظنا على هذه العبارة فالمجتمع الأمريكي خليط من الجماعات التي عمرت الموقع من الجهات الأربع للكرة الأرضية فليس لأحد هناك الحق أكثر من الآخر في المواطنة و الانتساب للوطن فهو مجتمع هجين)؟فهل  يحق له أن يفعل ما يريد  و يكتب و يعلن ما يريد ،حتى لو كان ما يفعل مستفزا لجماعات أخرى؟

هل يحق للمسلم  المغربي هنا  في المغرب، أن يحمل قميصا كتب عليه (اليهود نسل القردة)؟ هل للمغربي الحق أن يسخر من عقيدة المسيحيين التي تؤله الإنسان، وتؤمن بتحول الإنسان إلى اله؟

 وهي خزعبلات لا منطقية  لا يؤمن بها الا معتوه.ومع ذلك نحن  مطالبين باحترام  عقيدتهم و تفكيرهم ، و لا يحق لنا أخلاقيا  و لا دينيا أن  نسعى إلى نقد المسيحية أو السخرية منها، بل نتجنب أي شيء يضر بعقيدتهم  أو يستفز مشاعرهم الدينية، أو يمسها بعيب أو سوء.

 لو فعل أي مسلم  هذا الفعل(أي كتابة شعارات دينية مستفزة ومناوئة لطرف  آخر) لسلطت عليه كل الأضواء  الإعلامية الكاشفة الغربية و الصهيونية ، و لأدخل في خانة الإرهابيين و العنصريين و العدميين  بل و التشنيع عليه و  السخرية منه، ونعته بالاقصائي و الإرهابي… و غيرها من التهم الجاهزة مما تصنعه الآلة الإعلامية عندهم؟

إذا لم يكن لنا الحق في التدخل في معتقداتهم، فلم يكون لهم كل الحق في التدخل في معتقداتنا؟

بل  سمحوا لأنفسهم بالتدخل في  البرامج الدراسية  المتعلقة بالتربية الإسلامية(التي غيرت إلى التربية الدينية)، و التدخل في إلغاء بعض الآيات التي لا تنسجم مع أهدافهم، أو التي يرون أنها دعوة إلى أشياء لا يحبون أن  المسلم يعتقد فيها؟

بل إن تدخلاتهم شملت حتى إلغاء بعض الدروس الإسلامية التي يعتقدون أنها تشير إليهم من قريب أو بعيد؟

 بل أكثر من ذلك ،تدخلوا بصورة فجة و وقاحة، في هندسة الحجرة الدراسية عندنا في مدارسنا، وسمحوا لأنفسهم أن يسألوا الفتيات لماذا يجلسن بعيدا عن الأولاد؟ ولماذا لا يكون لهن (أصدقاء)؟ و لماذا يكون لهن صفوفا خاصة بهن؟ و لماذا تأتي الفتيات إلى المدرسة بحجاب؟وهل المدرسة هي من تفرض ذلك؟

 حدث هذا باسم التعاون الثقافي بين جمعيات مدنية من هولندا و من ألمانيا أيضا و بين جمعيات مغربية من المغرب الشرقي. و الزيارة كانت لمركز تكوين المعلمين و المعلمات (التسمية السابقة) في التسعينات من القرن الماضي …و قد سمحت لهم إدارة المركز آنذاك بالدخول إلى المكتبة و فحص  الكتب المدرسية وما يدرسه تلاميذ المدرسة الابتدائية من دروس وغيرها (المتعلقة بالجانب الديني خاصة)…كما سمحت لهم بالدخول إلى حجرات الدراسة و التواصل مع الطلبة و الطالبات بدون حتى طلب الترخيص من المدرس…بل اقتحموا الحجرات الدراسية وكأنها من مملوكات دولتهم…

1)فهل نقول نحن ما قاله جد النبي عليه الصلاة و السلام لأبرهة الأشرم(أنا رب الإبل، وإن للبيت رب يحميه) و نتركهم يكتبون ما يشاءون  على مجلاتهم(شارل ابدو كمثل) أو على أقمصتهم أو في  ما ينشرونه من كتب أو ما يذيعونه في برامجهم الإعلامية المرئية؟ …

نعرف أن ما يبحثون عنه ليس بعيدا عن استفزاز المسلمين عامة حتى يتهوروا في سلوك قد يستغل ضدهم كما يفعل أفراد من الجماعات المسلحة  المتطرفة ،في القتل الجماعي للأبرياء عن طريق تفخيخ سيارات أو دهس للناس لا ذنب لهم الا انهم كانوا هناك، أو القتل الجماعي للأبرياء و التفنن في اختراع أساليب القتل المتنوعة…

2)أم  هل نعمل بقول الشاعر صلاح الدين أبو الصفاء خليل بن أبيك بن عبد الله الألبكي الفاري الصفدي المشقي الشافعي، صاحب القصيدة المعروفة  التي مطلعها:

الجد في الجد و الحرمان في الكسل      فانصب تصب من قريب غاية الأمل

إلى أن يقول

و إن بليت بشخص لا خلاق له        فكن كأنك لم تسمع ولم يقل

3)و نتساءل ،أليس من الحكمة امتصاص الصدمة و الدفاع عن الدين بالسيطرة على الغضب و الصبر على أذاهم(كما صبر النبي الكريم على أذى جاره اليهودي يوميا )  و الدفاع عن الدين بالسلوك الراقي المتحضر( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون)(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن)) و لو كنت فظا غليظ لانفضوا من حولك ).

قد يملون يوما من هذه الأعمال إذا  اكتشفوا أن تآمرهم ، لم يعد يستفزنا.فكل أمانيهم هي أن يرونا نتهور فنأتي بأفعال همجية بها  يحاكمونا  أننا شعوبا دموية ومتوحشة وعدوانية  لا أخلاقية و لا إنسانية تغذيها الكراهية و الحقد على الناس….

4) فالحكمة أن الله سبحانه صبور على عباده المنحرفين، فالكون كما نراه يعمره الوثنيون و الملحدون والزنادقة  و المسيحيون و المنافقون و المقامرون و الزناة على ألوانهم و اليهود على فرقهم،و المقدسون للبشر الأموات، و المشركون و  المسلمون بأطيافهم المتعددة و مرجعياتهم المختلفة الدينية و المتضاربة و المتصارعة بل المكفرة لبعضها البعض…ومع ذلك يصبر عليهم و لا يمنع عنهم رحمته لا في الهواء و لا في الماء و لا في الزرع ولا في الطعام و لا في كل النعم الإلهية…بل ويترك لهم الوقت الكافي لعلهم يفكرون ويرجعون و يهتدون…فباب التوبة دائما مفتوح على مصراعيه…

5) كما أن للشيطان طريقة في الغواية و الإثارة بحيث لا يقترب من مناصريه و لا من أتباعه و مريديه، بل كل أعمال الغواية و التحرش و الإقناع  و الوسوسة للاعتداء على حرمات الله ،يسلطها على المؤمنين بالله ورسوله فقط، فهم الفئة المستهدفة من أعماله الشيطانية.

أخيرا نحن كأتباع للديانة الإسلامية علينا أن نبين قوتنا في صبرنا استلهاما لما كان الرسول يقوم به اتجاه أعدائه سواء في المرحلة السرية من الدعوة، أو في المرحلة الجهرية. فلسنا قوما أعداء للإنسانية ولا معتدين على أرواح الأبرياء و لا على ممتلكاتهم ولا على أعراضهم، و لا ظالمين للناس.بل دعاة إلى الخير و العدل و الحق و قبول الآخر …

نؤمن بالخير لكل الناس و العدل بين الناس ونؤمن بالحق و بالحقيقة  قولا وفعلا فهي هداية  المؤمن  إلى الله  العليم الخبير…

ص.نورالدين


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

1 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. محمد بن عبد الرحمان
     

    فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(الآية 159 من سورة آل عمران)

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*