نافذة على رمضان : الإعجاز اللغوي من التكوينات النصية إلى تعدد نظام اللغة : سورة الفاتحة نموذجا.


    


الجزء الثالث .

4- مظاهر التعدد اللغوي

يعرف النص القرآني عدة ظواهر منها التشابه والاختلاف فهل نحن أمام ظاهرة الاشتراك اللغوي أم أمام ظاهرة الترادف ؟

لقد دقق علماؤنا في ضبط مفهوم “الترادف” فهذا التهاوني في كشاف اصطلاحات الفنون الجزء 3 ص66 يحصرمفهومه في ” ركوب أحد خلف أحد ، وعند أهل العربية والأصول والميزان هو توارد  لفظين مفردين ، أو ألفاظ كذلك في الدلالة على الانفراد بحسب أصل الوضع ، على معنى واحد ، من جهة واحدة” وضبط شروطه إبراهيم أنيس في أربعة :

1- الاتحاد التام في المعنى.

2- الاتحاد في البيئة اللغوية .

3- الاتحاد في العصر.

4-ألا يكون أحد اللفظين نتيجة تطور صوتي حدث في الآخر.

المترادف في اللغة العربية مجلة مجمع القاهرة ج4 1937 ص 241-268 .

لكن علماءنا  انقسموا حوله إلى قسمين :

1- مثبتون: وهم  المستندون على قائمة المترادفات ،المصنفة على شكل رسائل ، كالأنصاري، وابن الأثير ،وابن جني، الذي اعتبره من خصائص العربية ، وأبي علي الفارسي، الذي يستدل بأن لكل اسم صفات .

2- منكرون: كابن عربي، الذي يعتبره من المتابين من الصفات، باعتبار الوضع . يقول ابن عربي :” كل حرفين أوقعتهما العرب على معنى واحد ، في كل منهما معنى ليس في صاحبه ، ربما عرفناه فأخبرنا به وربما غمض علينا  فلم نلزم العرب جهله . عن الإعجاز البياني للقرآن عائشة عبد الرحمان ص 219-220

 من هنا  فالترادف غير موجود في سورة الفاتحة ، وفي القرآن الكريم، عند معظم علماء اللغة والبيان ؛  لأن التسمية تكون بالعلل ،والاشتقاق يختلف بحسب الاعتبارات ، ثم إن هناك فرقا بين الاسم والصفة ، وأخيرا التطابق التام في المعنى يستدعي تماثلا تاما في كل السياقات ، وهذا صعب التحقق. لكن ماذا عسانا نقول عن الرحمان، والرحيم ،  والحمد ، والشكر، والمدح ؟

إن الإجابة عن هذا الإشكال اللغوي ، نجدها في مفهوم المشترك اللفظي، فهو عند الزبيدي في تاج العروس: “اللفظ الدال على معنيين مختلفين فأكثر ، دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة.”أما السرخسي:”كل لفظ يشترك فيه معان ، أو أسام ، لا على سبيل الانتظام بل على احتمال أن يكون كل واحد هو المراد به على الانفراد. “السرخسي 126/

ويرى محمد شاهين أن التشارك غير وارد في القرآن الكريم ، لوكان لطال بلافائدة ، وإن لم يبن فلا يفيد . “1980 ص122 .

أما سيبويه ، فيؤكد وجود لفظين متفقين حرفيا ومختلفين معنويا. ويميز عبد الرحيم الأستوي في مقال منشور بمجلة علوم إنسانية 2009 السنة 7 العدد42 بين ثلاثة أنواع من اللفظ : 1- بحسب الوضع : جعل اللفظ دليلا على المعنى. 2- بحسب الاستعمال : إطلاق اللفظ وإرادة المعنى.3- بحسب الحمل : اعتقاد السامع مراد المتكلم. وهذه المواضع تنطبق على الحمد الوارد في السورة الكريمة، و على الشكر والمدح ،الذي تدل عليه بالاقتضاء. لكن ما يبهر في البناءات اللغوية لسورة الفاتحة، تعدد القوانين اللغوية:

أ- قانون المماثلة :

استعمل القرآن الكريم لغة مجالية توقيفية مقدسة ؛ للتعبير عن المعاني القرآنية السامية ، المرتهنة بأسباب النزول ، ونظرية المقام ، ومقتضى السياق من قبيل : باسم الله الرحمان الرحيم ، التي يجمع العلماء على أنها جزء من القرآن ، وآية في سورة النمل ، واختلفوا في اعتبارها آية من الفاتحة ، واعتبرها الإمام مالك رضي الله عنه كلاما مباركا ؛ لتحديد بدايات السور، والتفريق بينها .أما آية الحمد لله رب العالمين فقد ترددت في 25 موضعا وفي 19 سورة، ولفظ “ملك “تكررفي الفاتحة :4 وغافر :16 والنمل : 34 والمائدة : 20 والنساء : 54 ، بينما مفردة الصراط ترددت في الفاتحة :6 والحجر :41 والصافات : 23 والأنعام : 153  ترى لماذا هذا التكرار ؟ ولماذا استعمال قاموس قرآني مشترك ؟

-أولا : للتأكيد على خصوصية اللغة المجالية القرآنية ،ومصدرها الواحد /الوحي ،وتميزها بعدة سمات بلاغية عن المنجز البشري لتشكل شعرية اللغة القرآنية، المعجزة والمبهرة.

-ثانيا : لتقوية الربط وإحكام حسن التخلص، في أفق تجسيد وحدة النص القرآني، وتحقيق سمة “التيسير” في القراءة  والفهم ، وفي الحفظ والحمل لكتاب الله.

ب- قانون المخالفة :

لتأمين استقلالية السورة  ،و إبراز موضوع القيمة داخلها ، يعمد القرآن الكريم إلى تخصيص قاموس خاص بالسورة فقط  ؛ لحصر معانيها المفتاحية ،التي تشكل نقطة ارتكاز لمضمون السورة الكريمة  ،من قبيل الجمل:

-ملك يوم الدين: حيث وردت لفظة “ملك” في تركيب إضافي معنوي ،ليدل على نسبة تقييدية لمدلوله،  ورهنه بيوم القيامة ، وهويوم الحساب ، وتحديد مصائر العباد.

هذا وإن الدلالة بالعبارة  تنسحب على مفهوم “ملك” في قراءة ، حيث تؤدي معنى “القوة والبسط، والتولي الظاهر لله وحده “.وأما الدلالة بالإشارة فتتجه نحومفهوم “مالك” ، الذي يشير إلى معنى” التملك الدائم، والتمكن من الأمر، في يوم القيامة كله”

 – إياك نعبد وإياك نستعين : تخضع الجملة الفعلية القرآنية لنظام البناءات على خلاف الأصل، فرتبة المفعول به الثالثة تغيرت، فتقدم ضمير الفصل المنصوب ، ليفيد القصر والاختصاص ، ثم أطلق في الفعل:” نعبد” فهو يستوعب كل أنواع العبادة دون تحديد ،وفي الفعل:” نستعين  ” الذي يحيل على كل مظاهر التوكل على الله ، دون تخصيص.

 هذا وقد قدمت الآية الكريمة فعل العبادة ؛ لأنها الأصل من الخلق ، وثني فعل الاستعانة ؛ لأنه عبادة أخرى تتميز بالروحانية عن العبادة الأولى، ذات الشعائر المادية الظاهرة.

-غير المغضوب عليهم ولاالضالين : أسلوب الاستثناء وهو أسلوب أهل الحساب يستعمل يوم الحساب للتفريق بين فئتين :

1-المهديين :وهم المؤمنون، المنعم عليهم بدين الاسلام ، والمكافأون بخير الجزاء.

2- الضالين : إما لغضب الله عليهم بسبب عدم ثباتهم على عقيدتهم الصحيحة، وتنصلهم عن مبادئها، ومخالفتهم لرسالة التوحيد التي جاء بها سيدنا موسى عليه السلام ، ويدخل مع هذه الفئة من أمة بني إسرائيل كل الأمم التي سبقتها أو أعقبتها ، ممن بدل عقيدته ،وخالف أمر ربه ، من الذين يدعون الإيمان بالله سبحانه وتعالى. وإما لزيغهم عن الطريق المستقيم وانحرافهم عن التوحيد وتأليههم لسيدنا عيسى، وادعائهم أنه ابن الله ،تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وكل الأمم السابقة أو اللاحقة التي ألهت غير الله، من عبادة المال ،والهوى والمنصب ،والسمعة…

ج- قانون الانصهار:

أحصى علماء اللغة حوالي 100 مفردة، استعملها القرآن الكريم بعد جلب العرب لها ،من لغات أمم مجاورة أو يتعاملون معها تجاريا، بعد تعريبها وإخضاعها لميزان لسان العرب؛ لهذا احتار بعض ضعاف الإيمان بين قوله تعالى: إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون” يوسف :2 وتردد هذه الكلمات المولدة والمبيئة في بيئة العرب بعامة، وبيئة قبيلة قريش بخاصة ، التي نزل بها القرآن.

ومن هذه الكلمات الصراط ،التي تسلسلت من جينود وجيراط وسراط وصراط، وانحدرت من اللغة الفارسية من معنيين : الجسر الممدود، والمعبربين الأرض والجنة ؛ لكن العرب أخضعت هذه الكلمة المجتلبة بفعل التواصل، إلى ميزان لسانها القويم، ووضعت لها اشتقاقات من فعل صرط يصرط اصرط صرطا…بمعنى ابتلع والتهم كليا؛ لكن القرآن الكريم استعمل هذه الكلمة عدة استعمالات ،وشحنها بمضمون إيماني توحيدي فأصبحت تعني :

1-السبيل في قوله تعالى :” ولاتقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله”.الأعراف :86

2- دين الاسلام في قوله تعالى : “اهدنا الصراط المستقيم”.الفاتحة :6

3-جسر ممدود على متن جهنم في قوله تعالى :”ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون”.يس:66

أما الإمام علي كرم الله وجهه ، فميز بين صراط الدنيا :”ماقصر عن الغلو ، وارتفع عن التقصير.” وصراط الآخرة :”طريق المؤمنين إلى الجنة”. بينما الدكتور أحمد الكبيسي، فالصراط ممر بين نقطتين متناقضتين :بين الحق والباطل ،والكفر والإيمان، والضلالة والهداية، ويحيل على عدة معاني كالتوحيد والنهج والعدل…وتشكل لفظة “الصراط” في سورة الفاتحة كلمة مفتاحية تفتح النص على محيطه وتتيح له التفاعل مع بيئته /أمة الفرس بثقافتها ولغتها…وتؤشر على سبب النزول لكسب رهان عالمية الرسالة ، ومخاطبة العالمين من العقلاء.

5- حقائق وخلاصات:

تعتبر سورة الفاتحة مقدمة لكتاب الله ، يجريها الله فرضا على لسان كل عبد، داخل الصلاة وخارجها، في صورة مناجاة شافية وكافية ؛ ليعرف بذاته سبحانه ، ويحدد حقوق وواجبات العباد،  من خلال طرح منهج المسلم القويم ؛ لكنها تلقي بظلال معانيها السامية ، وبإشاراتها الدينية والعلمية والنفسية على باقي السور 113، في تناغم تام، يستحيل فيه تغيير موقع حرف واحد، داخل النسيج الصوتي ، الذي يحاكي التصميم المحكم في الكون الدلالي والبياني. فتبارك الله رب العالمين.

*- علم اللغة الكوني :علم يدرس جميع اللغات في آن واحد بمقارنة نظامها النحوي العلاقات الجينية بين اللغات.

*-المراجع:

1-صحيح مسلم والبخاري.

2-معجم مقاييس اللغة لابن فارس.

3-كشاف اصطلاحات الفنون للتهاوني.

4-افعجاز البياني للقرآن عائشة بنت عبد الرحمان.

5-تاج العروس للزبيدي.

6- مجلة مجمع القاهرة الجزء4 1937 .

7-مجلة علوم إنسانية السنة 7 والعدد 42 2009 .

 

محمد ابراهيمي


 
 

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Big Sidebar

 

yahoo

 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles