Home»Correspondants»تزوجت مجرما

تزوجت مجرما

0
Shares
PinterestGoogle+
 

أحمد الجبلي
بعدما داع صيتها، بتعرفها على العديد من أبرز شخصيات الفكر والعلم والمعرفة في برامجها الإذاعية، كالشيخ محمد الغزالي والشيخ محمد متولي الشعراوي وأحمد رائف مدير شركة الزهراء للإعلام العربي والشيخ عبد المجيد الزنداني  وغيرهم كثير، وبعدما تطلقت وعانت لأكثر من سبع وعشرين سنة، وعاشت عالما من الضغط النفسي وإكراهات الواقع وهستيريا العمل والمقابلات الإذاعية, بدأ بعض العلماء والفضلاء يقترحون على الأستاذة كريمان حمزة المتحجبة الأولى في التلفزيون العربي كله، وصاحبة كتاب رحلتي من السفور إلى الحجاب المشهور، وصاحبة أحلى الحوارات وجلسات العلم والمذاكرة مع الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، بدأ هؤلاء العلماء يقترحون عليها الزواج ويرشحون لها رجلا اسمه اللواء  كمال عبد الرازق، وكان أول من رشحه الشيخ محمد متولي الشعراوي من الطائرة وهو في طريقه إلى أمريكا فهاتفها قائلا: « يا حاجة كريمان إني أحدثك كي تقبلي الزواج من اللواء كمال عبد الرازق وهو رجل له جهاد طويل وصاحب مبدأ، وثيق الصلة بالله، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا » وكان رفقته أحد العلماء وهو الشيخ عبد العظيم لقمة والذي بدوره شجع هذه الزيجة.
انتشر الخبر، وأخذ العديد من أصدقاء الحاجة كريمان يزكي اللواء كمال بك، واتصل الشيخ عبد العظيم خفاجي كي يطمئن بأن الحاجة كريمان قد قبلت العريس المختار، وهكذا صار يهتم أهل العلم بهذا الزواج من أجل أن يجمعوا سيدة فاضلة يتوسمون فيها خيرا، والتي تحدت العديد من مدراء القناة من أجل حجابها وبرامجها وحواراتها، برجل يروا أنه فاضل ومجاهد وودود، وإذا بهاتف يهتف ضد هذا التيار يأتي من أمن الدولة يقول:  » يا حاجة  كريمان بلغنا أنك ستتزوجين اللواء كمال عبد الرازق ومعالي فلان… يحذرك من هذه الخطوة ويبلغك أن كمال عبد الرازق هذا من أكبر مجرمي الإخوان أمضى في سجون عبد الناصر أكثر من عشرين عاما يعني مسحوا به سجون مصر.
واسترسل النائب عن معالي فلان… محذرا:  » أخشى إن تزوجت هذا الرجل أن تفصلي من عملك في التلفزيون أو على الأقل لا يسمح لك بالظهور على الشاشة، وما على الرسول إلا البلاغ »
وكان ردها على سعادة النائب:  » والله لو كنت أنوي الزواج مرة أخرى فسأختار من يستحق أن أجثو على ركبتي وأغسل قدميه التي طالما غبرها في سبيل الله »
وبعد إلحاح الأصدقاء وأهل العلم والفكر والإيمان والصلاح، بدأت السيدة كريمان تصلي وتدعو الله وتستخير لعل الله ينير بصيرتها في هذا الزواج من هذا المجرم، وإذا بها ترى رؤيى تكررت ثلاثة مرات تبعث على الارتياح، كما أنها استشارت أهل العلم ومن تثق فيهم من العلماء، وكانت الموافقة على شرط أن يكون عقد القران في مكة المكرمة وأن يكون الذي يعقده الشيخ سيد سابق رحمه الله.
وبدأت الحياة الزوجية مع مجرم سُجن لأكثر من عشرين سنة، ولم يترك سجنا من سجون مصر إلا دخله.
قضت السيدة كريمان حمزة شهر عسلها منقسما بين مكة والمدينة، ومن هنا بدأت تراقب هذا المجرم الخطير كيف يتعامل، كيف يتصرف، كيف يأكل، كيف يشرب، كيف يتعامل مع الناس، كيف يتعامل في الأزمات، ولكن هذه المراقبة قد أثمرت أن للرجل كما قالت:  » هيبة في نفسي، ربما لكبر سنه، أو لتاريخه الحافل بالجهاد،  أو لتصرفاته وأفعاله وأقواله التي تدل على فطرة نقية وقلب كبير كان رحمه الله إذا نصب قامته لله في الصلاة شعرت كأن الله نصب له وجهه، وإذا صليت خلفه تذوقت حلاوة الصلة بالله يقرأ القرآن قراءة سليمة خاشعة.. أمتع عيني برجولة فذة مع تواضع جميل، وأدركت أنه لم يمس امرأة قبلي ولم يسبق له الزواج.
وتحت عنوان  » لا حياء في الدين » تقول:  » تعلمت من هذا الزوج بركة العفة..وكيف أن الله يحفظ للإنسان جميع قواه البدنية والعقلية في الكبر إذا هو اتقى الله في الصغر، كنت أقرأ عن العلاقة الزوجية في الإسلام وأتعجب أو لا أتصور.. ولكني رأيت هذا الملاك الذي تزوجته يتوضأ قبل الجماع.. ويكون حنونا مقبلا..واعيا حييا ومستترا في نفس الوقت كان يذكرني بما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم مع أمنا عائشة وكان يسمي الله ويقول:  » اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا » كنت أشعر كأن الشيطان لا يجرؤ أن يكون معنا بأي حال من الأحوال.. لم يكن رحمه الله فحاشا ولا فجارا ولا مخمورا ولا مسطولا، ثم كانت الصلاة هي بداية اللقاء ونهايته وكنت أراه يرفع يديه لرب العالمين شاكرا حامدا ولم يتغير حاله حتى لقي ربه.
وتستمر قائلة:  » رحت أراقب هذا الزوج الذي وصفوه بأنه من كبار المجرمين وكلي إجلال.. يرسب في نفسي كل يوم مزيد من التقدير والإعجاب، »
عجيب كمال بك هذا في كل تصرفاته .. فعندما نكون في الطريق العام يتفاعل ويتأثر مع جميع المواقف التي تواجهنا فأي إنسان يسير في الطريق غالبا ما يستوقف بصره..فيقف عند عجوز يحاول عبور الطريق فيعينه .. و معاق يتحسس بوجل مواضع أقدامه وسط الزحام فيساعده، أو امرأة مجهدة ترتدي جلبابا متهالكا وشبشبا بلاستيكيا لا يخفي كعبين مشققين .. تحمل في يدها الخشنة الممتلئة بالعروق البارزة كيسا من النايلون خاليا .. أراه فجأة يضغط على فرامل السيارة بشدة .. ويقترب من هذه المرأة المسكينة ويدس في يدها مبلغا من المال ثم ينطلق بسيارته ..
أقول له : كيف تكتشف هؤلاء الناس وسط قتال العربات ؟!
فيقول لى أبحث عنهم بقلبي وأحس بهم .. وأتمنى مساعدتهم ولا أطيق صبرا
ولقد وصل من شدة إيجابيته أنه كان إذا توقف المرور وتعطلت الحركة .. نزل برشاقة وخفة وراح ينظم المرور وسط الشارع مع شرطي المرور ويبذل جهدا كبيرا حتى يعود الطريق إلى سريانه !! كنت أخاف عليه وأبادره بسؤال :
هل أنت ضابط مرور .. لماذا لا تترك الأمر للشرطي المسؤول وتكتفي بوضع يدك على منبه الصوت كما يفعل الآخرون ؟
– هذا شرطي مسكين .. والحمل فوق طاقته .. وهو يا أستاذة لم يتناول وجبة غذائية كاملة العناصر ولا نوعا من الأقراص المقويات والفيتامينات المستوردة .. ثم نضحك سويا لأنه يقصدني بهذه العبارات .
تستمر قائلة: وفي إحدى المرات كان يوصلني إلى التليفزيون وكان الزحام شديدا في ماسبيروا .. وفجأة ظهر شاب في الثامنة عشر يقود دراجة وعلى رأسه صحن يعلوه عدد كبير من أرغفة الخبز الشامي وكان يحاول المرور بين السيارات فمالت الدراجة ناحية العربة التي كانت أمامنا واصطدم بها وسقطت أرغفة الخبز على الأرض … فإذا بسائق السيارة ينزل منها ويمسك بتلابيب الفتى المسكين ويكيل له الشتائم .. ووقف المرور كله يشاهد هذا المشهد ولا يتحرك أحد .. فإذا بكمال بك ينزل من السيارة ويجمع أرغفة الخبز المنثورة في الطريق بين العربات وينفضها ليسقط عنها غبار الطريق ثم يضعها في الصحن ويضع الصحن على رأس الصبي المذهول مما أصابه من خسائر لا يعلم مداها إلا الله ! ثم أخرج كمال بك من جيبه ورقة بعشرة جنيهات .. ووضعها أمام وجه الصبي ليراها فيهدأ ثم وضعها في جيبه وقال له :
انصرف يا بني .. وانتبه بعد ذلك لنفسك والطريق .. ثم نظر إلى صاحب السيارة وقال له مبتسما :
– أخوك لواء شرطة كمال عبد الرازق .. ثم صمت برهة وقال له :
« ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء .. ثم انصرف وركب سيارته وبدأ الطريق يتحرك »

وبعد ما رأت الأستاذة كريمان هذه الأخلاق وهذه السلوكات العجيبة من زوجها وعاينتها ووقفت عندها، استطردت معقبة: أي إيجابية حميدة … وأي إحساس بالمسؤولية ..وأي إسلام هذا .. وأي جرم ارتكبه هذا الرجل حتى يصفوه بكبير مجرمي الإخوان؟!!
وفي إحدى الليالي لاحظ كمال بك عند خروجه من المسرح مشروع مبنى جديد تقوم به شركة المقاولون العرب وكانت الأسياخ الحديدية وأكوام الرمل والحصى تتناثر حول هذا المبنى، فإذا بكمال بك يتجه إلى المبنى وينادي على الحارس ويصافحه ويأخذ في توجيهه بكافة الأوامر المساعدة للحفاظ على المؤن وإخفائها داخل المبنى .. وتأمين حاجيات الشركة .. فسألته الأستاذة كريمان مندهشة:
– ألم تترك المقاولين العرب ؟ مالك أنت وتأمين المبنى والاهتمام بهذه الأشياء ؟
– هذا مال الشركة، يعني مال الدولة، يجب الحفاظ عليه، ولقد كنت في يوم ما مسئولا عن تأمين هذه الشركة .
– ولكن تغير الحال وانتهي الأمر
– لا لم ينته .. هذه شركتي وأنا أحبها
وتعقب الحاجة كريمان على هذا السلوك قائلة: هذا هو الولاء والانتماء الذي نعجز أن نزرعه في أبنائنا الآن فآي مجرم هذا يا سادة ؟!
تقول السيدة كريمان حمزة زوجة هذا المجرم: كان بجوار بيتنا في شارع الحجاز بمصر الجديدة محطة بنزين يقوم عليها مجموعة من الشباب ليلا ونهارا .. في أيام الشتاء القارس يستيقظ كمال بك قبل الفجر ويعد صينية كبيرة عليها براد شاي وآخر للحليب وبيض مسلوق وفول مدمس وجبنة وحلاوة طحينية .. يعد كل هذا بنفسه حتى لا يوقظ الخادمة ( نعمة) ثم يقوم بتسخين الخبز ويحمل الصينية ويتجه بها إلى محطة البنزين ويقدمها للعاملين بها .. وعندما يرى الدهشة في عيني يقول ببساطة:
فقط إن البرد قارس .. والأولاد يشتغلون ليلا .. ثم يتجه إلى المسجد ليصلي الفجر .. وأحيانا يجتمع بالمصلين ويقرؤون بعض آيات القرآن الكريم .. ثم يعود بخطى عسكرية سريعة إلى المنزل بهدف التريض ..
أما عن خادمته الصغيرة ( نعمة ) فلقد كانت هزيلة ضعيفة البنية فاقدة للرغبة في الطعام .
فكان رحمه الله يعد لها الإفطار ويوقظها برفق كى تذهب إلى عملها كممرضة في مستشفي المقاولون العرب .. كنت أسأله مندهشة :
– أراك شديد العناية بهذه الصغيرة .. وهي ضعيفة جدا فلماذا وظفتها في مستشفي المقاولون ؟
فرد عليها قائلا: لن أعيش لها طول عمرها، وهي ضعيفة ومسكينة وليس لها مصدر رزق، ولن تستطيع الخدمة بعد وفاتي في بيت آخر، فأنا أحسن معاملتها وأقدر حالتها الصحية والنفسية، والعمل في المستشفى يضمن لها مأوى إن أرادت، كما يضمن لها معاشا إن أطال الله في عمرها، كما أن ذهابها إلى المستشفى قد يجلب لها عريسا مناسبا، وبالفعل خطبها شاب يعمل بمستشفى المقاولون العرب وراح كمال بك يجهزها جهازا كاملا..
ثم احتفل بزفافها وزين لها عربته المرسيدس بالورود وسجل بالفيديو عرسها .. ولقد كانت هذه الصغيرة لا تعرف التعبير عن مشاعرها إلا بالدموع ..
وتستمر قائلة: وأذكر أنها كلما مرضت أحضر لها الطبيب والدواء وجهز لها الطعام بنفسه حتى لا يكلفني بهذا الجهد، كانت تنام في حجرة مريحة وسرير مريح ودولاب خاص .. كان رحمه الله يفضلها على نفسه، وكم كانت دهشتي كبيرة حين يحضر والدها من الريف للحصول على راتبها وبعض الأدوية، وكان رجلا هزيلا قد أنهكته البلهارسيا وكان على عينيه سحابتان ثقيلتان لا أعرف كيف كان يتمكن من رؤية الطريق.. كان كمال بك يهش ويبش ويحسن استقباله بطريقة مذهلة ويأخذ بيده ويجلسه على الكرسي ثم يأمر بإعداد أفخر الطعام ثم يسلمه راتب نعمة ومعه كما يقول البعض مما أفاض الله به علينا من النعم .. كان يستمع إلى شكواه ويحاول حل مشاكله كان يفعل مثل هذا مع البواب وعائلته ومع جميع من قاموا بخدمة والدته المرحومة زينب .
وتعقب قائلة:  ما هذا يا سادة ؟ ما هذا الفهم الصحيح للإسلام ؟ إن الإسلام ليس أقوالا ولكنه أفعال .. وقلت في نفسي يا له من مجرم!
كان كمال بك رحيما بأهله وأقاربه يزور البعيد قبل القريب، ويساعد كل من كان في حاجة لذلك حتى أنه ساهم في تربية أبناء أخته لكون زوجها كان يعمل جراحا في السعودية وقد التصق بهم واعتنى بهم أيما عناية،
وفي الختام، تخلص الأستاذة كريمان حمزة، بعد هذه التجربة في العيش مع مجرم خطير، إلى القول:
عشت هذا الجو الإسلامي البديع ست سنوات ونصف مرت كأنها يوم واحد، والذي لا شك فيه أن عشرة هؤلاء الأفاضل وهذه النوعية من البشر داوت جراحي، وأمدتني بالصحة النفسية والبدنية، وقوت إيماني بالله العلي العظيم، بل إني أعترف أن هذا الجو النقي قد دفعني إلى إنتاج متواصل فطبعت أكثر من سبعة كتب للأطفال كما تمكنت من إخراج أربع كتالوجات للأزياء المحتشمة الراقية، وطبعت كتاب » نيجار والغابة »  أربع طبعات، ثم شرعت في كتابة موسوعة ( سيد الخلق ) من خمسة أجزاء والتي نالت بعد ذلك جائزة أجمل كتاب في العالم من مؤسسة لايبزج بألمانيا ..
وأقر بفضل اللواء كمال عبد الرازق لأنه راح يشجعني ويشتري لى الكتب والمراجع ويهيئ لي الجو العام في المنزل حتى أدرس كل هذه المواد وأعد منها ما استطعت، والحقيقة التي لا أنكرها أن تمكن كمال بك من ناحية اللغة الانجليزية قد ساعدني كثيرا حين كنا ندعى إلى مؤتمرات إسلامية خارج مصر إذ كان يقوم بالترجمة الفورية لمحاضراتي مما أدى إلى نجاح هذه الجهود.
كان رحمه الله مولعا بالحج والعمرة . فكنا نتردد على المملكة العربية السعودية كل ثلاثة أشهر يفر هو فرار اللهفان إلى الكعبة المشرفة ويعكف على العبادة عكوف أهل الورع .. وعندما يحين موعد العودة يظل يبكي وهو يودع المكان وينسحب من صحن الكعبة بظهره ينتزع نفسه انتزاعا كالرضيع الذي يأبى أن يترك صدر أمه … لكم سعدت مع هذا الرجل .
حشره الله هو وزملاؤه وأهله في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
فعلا.. يا له من مجرم !!! ولا نملك إلا أن نقول: كثر الله أمثاله.

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.