Home»Enseignement»اللحظة التاريخية للتفكير في الاستقلالية الوظيفية لجهاز التفتيش

اللحظة التاريخية للتفكير في الاستقلالية الوظيفية لجهاز التفتيش

0
Shares
PinterestGoogle+

 اللحظة التاريخية للتفكير في الاستقلالية الوظيفية لجهاز التفتيش

عبد العزيز قريش

باحث في علوم التربية

في نطاق الخطاب الملكي المتميز، الذي في حقيقته؛ بمفهوم الفلسفة وبمفهوم الدرس المدرسي والجامعي، وبمفهوم الدرس المعرفي، يشكل درسا افتتاحيا للدورة البرلمانية المغربية بامتياز، فهو درس عميق لمن يعيه، يسملج ـ إن سمح الاشتقاق اللغوي بالقياس على صيغة أدلج ـ الواقع المغربي بإشارات سيميولوجية دالة على ارتفاع منسوب الحدث المغربي، الذي يتطلب معه الحسم في قضايا عديدة أصبحت تشكل نشازا في اجتماعية المغاربة، ولم تعتدها الثقافة المغربية عبر تاريخها نتيجة فقدان قيم اجتماعية كانت أساسا متينا للحمة الاجتماعية المغربية. لذا؛ هذا الدرس نطق بدلالات سياسية واجتماعية وثقافية صريحة للعقل الواعي. فمسألة ربط المسؤولية بالمحاسبة هي جوهر العدالة الاجتماعية، التي يقرها الفكر الإنساني في بعده السياسي والاجتماعي، وتشتغل عليه التربية والثقافة والتنشئة الاجتماعية، ويعرب عنه السلوك الاجتماعي سواء تعلق بالفرد أو الجماعة أو المؤسسات. وفي غيابه تفقد القيم قيمتها التداولية في المجتمع، ويفقد المجتمع بكل دلالته هيبته وسلطته على أفراده وجماعاته، ومنه يسير ويصير المجتمع إلى الانحدار على مختلف مستوياته، بل يذهب إلى الانتحار الوجودي لا الحضاري فقط. وهذه مسألة لها دلالاتها في الدرس الافتتاحي ضمن ماورائيات المشهد المغربي.

فهذا الدرس/الخطاب يجب التأريخ به بين لحظتين وجوديتين: وجود بالذات والصفات والمعنى ووجود بالذات فقط، وشتان بين الوجودين! لذا؛ سأرتكز على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في طرح مسألة الاستقلالية الوظيفية لجهاز التفتيش بقطاع التربية والتكوين. لأن تفعيل هذا المبدإ في هذا القطاع يفيد التمييز بين جهاز المسؤولية وجهاز المحاسبة، بمعنى آخر بين جهاز التدبير وجهاز التقويم. لأنه، لا يمكن في ظل معطى اجتماعيتنا وثقافتنا التي لم تعد كما كانت أن يكون جهاز التدبير هو جهاز التقويم نفسه، فالتقويم الذاتي هو من خارج المسألة. وإلا، لو كان التقويم الذاتي قائما في هذا القطاع وفي المجتمع لما تطلب الأمر إصلاحا ثم إصلاح الإصلاح ودوليك!؟ فالمسألة؛ تقتضي جهازا تقويميا مستقلا وظيفيا عن جهاز التدبير. وإلا، فالأمر في ظل معطى الواقع التربوي والتكويني لن ينتج تقويما صادقا وصريحا وشفافا! والسؤال المطروح الذي يقارب هذه المسألة هو: لماذا استقلال جهاز التقويم وظيفيا عن جهاز التدبير؟

فالجواب يحيل على عدة قضايا قائمة في الميدان. بل الجهة المسؤولة عن القطاع اتخذت فيها قرارات حاسمة قطعا مع بعض الممارسات اللامسؤولة، والتي لا تمت بصلة إلى عالمي التربية والبيداغوجيا. فمثلا: جهاز التفتيش في قطاع التربية والتكوين هو تحت سلطة جهاز التدبير، ويقوم بتقويم منتجات هذا الجهاز؟! لذا، لا يمكن ممارسة التقويم ممارسة صحيحة ومضبوطة وشفافة وصريحة ومعبرة عن الكائن في غياب الاستقلالية الوظيفية، التي ترفع الهواجس والتكهنات عن المقوم. وهنا؛ لا يمكن بقبول أنصاف الحلول، إما الاستقلالية الوظيفية بما فيها ركيزتها وأساسها الانتماء الإداري المستقل عن جهاز التدبير ضمن إطار قطاع التربية والتكوين حتى نضمن التقويم الداخلي أو سنظل نجتر التجربة ومرارتها. فلن تجد من أعضاء جهاز التفتيش من سيقوم بمنطوق صريح ودال بالحقائق والوقائع على سلبيات وأخطاء قرار هنا أو هناك اتخذه جهاز التدبير الذي يعين ويرقي ويعفي … هذا المفتش!؟ ومن يقوم بهكذا تقويم هو الشخص القوي الذي يربط نفسه بالمصلحة العامة لا الخاصة، والذي على استعداد ليضحي بمكتسبه الوظيفي أمام رقي وتطور فعل التربية والتكوين، وما أكثرهم في هذا الجهاز. لكن المسألة ليست مسألة أفراد بل مسألة منظومة ونسق وثقافة مهنية، يجب أن تعمل بجودة عالية. وأن نبعدها عن الاختلالات في اشتغالها حتى تنتج ما هدفناه، وبالمواصفات التي حددناها لمنتوجها.

فمسألة الاستقلالية الوظيفية وركيزتها التبعية الإدارية أو الانتماء الإداري هي مسألة قائمة على موقع ودور ومهام والغاية من جهاز التقويم. وقائمة على مدى تقبل فكرة التقويم في المنظومة، وعلى الحمولة الدلالية لها، ومدى الاقتناع بقيمة التقويم وعائده على المنظومة، ولا داعي إلى التخوف من هذه المسألة لدى البعض، فمثلا جهاز التقويم في التجربة البريطانية يتبع إلى القصر الملكي، ولا صلة له بجهاز تدبير منظومة التعليم، حتى يضمن له الاستقلال الوظيفي المنتج ويرفع عنه كامل الضغط الذي قد يقع عليه. فيكون تقويمه موضوعيا وصريحا لا يجامل ولا يغض الطرف عن الحقائق. فالاستقلالية الوظيفية لجهاز التقويم ستميز لنا بين فعل التقويم وفعل التأطير، وهي إشكالية واقعية في ممارسة المفتش التربوي حاليا. فكيف لمفتش يوجه ويؤطر ويرشد هيئة التدريس، ويقومها فيما أرشدها إليه ويحاسبها؟ أليست هذه إشكالية؟ ثم هناك إشكاليات قانونية قد تطرح أثناء التأطير والإرشاد والتوجيه؛ منها مثالا: هل للمفتش صلاحية التوجيه إلى الخروج عما قررته الوزارة من كتب وتوجيهات بيداغوجيا وديداكتيك إذا كانت غير مناسبة وغير منتجة؟ ألا يمكن مواجهته بتطبيق الرسميات حرفيا؟ ألا يمكن لهيئة التدريس أن ترفض توجيهات المفتش إلى ما ينبغي أن يكون وتتشبث بما هو كائن؟ ثم نقوم؟! حقيقة في غياب الاستقلالية الوظيفية لا تضمن المنظومة التربوية والتكوينية تقويما فعالا. لذا؛ أدعو إلى التفكير بجدية في هذه المسألة من باب تجويد المنظومة وناتجها، والوقوف على حقائقها كما هي في واقعها، ونبتعد عن كل التخوفات والهواجس والهوامس من الاستقلالية الوظيفية لجهاز التفتيش بقطاع التربية والتكوين، فاللحظة التاريخية توجب الاستفادة من الخطاب الملكي/الدرس الافتتاحي في تشييد جهاز تقويم مستقل وظيفيا، وليس فقط في قطاع التربية والتكوين وإنما في جميع القطاعات حتى نربط المسؤولية بالمحاسبة، وأقترح إنشاء وزارة للتقويم تضم أجهزة تقويم جميع القطاعات تكون مستقلة وتابعة إلى رئاسة الحكومة، وترفع إليها وإلى الديوان الملكي تقاريرها مع توصياتها للدراسة والتقرير.

عبد العزيز قريش

نشر في العلم التربوي ليوم 18 أكتوبر 2017

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *