Home»Débats»فاتورة صمت المثقف الملتزم

فاتورة صمت المثقف الملتزم

0
Shares
PinterestGoogle+

فاتورة صمت المثقف الملتزم

بقلم : ذ.عبد الفتاح عزاوي

 

           لقد استبشرت الجماهير الشعبية خيرا بما سمي بالربيع الديمقراطي، إلا أن تطور الأوضاع في العديد من البلدان التي عرفته، طرح خوفا كبيرا على مستقبلها وجعل ارثها ورصيدها التاريخي في عهدة الماضي والذكريات. فالأوضاع بكل من ليبيا  ، سوريا ، العراق واليمن جد كارثية ولا تبشر بالخير جراء التناحر المتصاعد بين أبناء الوطن الواحد ،ناهيك عما حدث للسودان وما يحدث لفلسطين والبقية تأتي |.

          هذه التطورات الخطيرة تفرض على  المثقف الملتزم أن يستنهض همته من أجل وضع حد لحالة الفوضى الهدامة التي تهدد المنطقة العربية والإسلامية برمتها ،والتي ستجزئها لامحالة إلى كانتونات طائفية وإثنية لا يتعدى حجمها حجم الكيان الصهيوني . كما أن مسؤوليته تجاه قضايا مجتمعه تستلزم منه أن يعيش داخل مجتمعه لا خارجه ،كيف لا وهو بمثابة  »المصباح الذي ينير ذاته وينير محيطه » على حد تعبير الدكتور محمد عابد الجابري، ، وما جدوى الثقافة  اذا لم تساهــم في فهم حركية المجتمع والتاريخ ؟.

           لقــد أصــبحت المذابح والمجاز تذاع يوميا على الهواء مباشرة وتنقل صورها البشعة إلى الناشئة أمام مرأى ومسمع المجتمع الدولي الذي انكشفت نواياه تجاه المنطقة، واتضح أنه يروج لحقوق الإنسان كقاعدة عامة ، مع استثناء المنطقة العربية والإسلامية في العالم بأسره .

             كما أن المتتبع لتطورات الأحداث المتسارعة بالمنطقة يلاحظ  بوضوح سياسة الكيل بمكيالين التي يتعامل بها المجتمع الدولي مع القضايا الدولية : فقد سجل عليه التاريخ إلى وقت قريب، كيف تدخل  بالوساطة والحوار إبان نشوء الحرب الأهلية في يوغوسلافيا في بداية التسعينيات ، وقام بالضغط على الأطراف المتناحرة. وكيف قام كذلك بوضع حد للإبادة الجماعية التي حدثت في رواندا سنة 1994 بين جماعة الــهــوتو وأقــلية التوتسي ،والتي أدت إلى  قتل أزيد من 800000 شخص و تعرض مئات الألاف من النساء للاغتصاب ، عبر إنشائه للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا التي أصدرت العديد من الأحكام على مجرمي الحرب وطاردت عشرات الهاربين منهم . وعلى العكس من ذلك ،فقد اتسمت مواقفه بالتردد والحذر إزاء ما يحدث في المنطقة العربية ، ولم يكن أكثر التزاما بمبادئ حقوق الإنسان في تعاطيه مع ما يحدث من انتهاكات يومية رغم معدلات القتل العالية بين الأطراف المتناحرة.

             بعد كل ما حدث وما سيحدث، لم يعد مقبولا جنوح المثقف الملتزم لهذا الصمت المريب أمام هول الكارثة التي تحيق بالأمة، كما لم يعد مقبولا بعده عن هموم الجماهير الشعبية وطموحاتها. فالتاريخ  يذكرنا بأن تغيير حياة المجتمعات  لن يتم  دون الرجوع إلى ضميرها الجمعي/المثقف الملتزم ، فخلال الأحداث التي وقعت بفرنسا سنة 1968  والتي عرفت بـ «ثورة الطلبة» ، رد شارل ديغول على أولئك الذين أشاروا عليه باعتقال جان بول سارتر لأنه هو العقل المدبر لتلك الأحداث ، بالقول :  »لا أستطيع فعل ذلك ، فسارتر هو فرنسا  » ولم يتردد في تشبيهه بفولتير . 

        الخلاصة ، تبقى مــــسؤولية المثقف الملتزم في هذه المرحلة العصيبة ، مسؤولية أخلاقية قبل كل شيء …مسؤولية تتجلى في إخراج الأمة بقضها وقضيضها من هذا النفق المظلم الذي دخلت فيه ، واستنهاض قواها الخلاقة لكي تساير التقدم والازدهار حتى لا ينطبق علينا قول الشاعر : لقد أسمعت لو ناديت حيا … ولكن لا حياة لمن تنادي  .

fattahazz@yahoo.fr 

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *