موقع وجدة سيتي يختار فضيلة العلامة الدكتورمصطفى بنحمزة شخصية السنة


     2


 

جرت العادة كلما طوت البشرية  صفحة من عمرها على سطح هذا الكوكب إلا والتفتت إلى ما جرحت واقترفت  مما سجل على صفحتها المطوية ، والتي لن تنشر مرة أخرى إلا بعد زوال هذه الحياة وحلول أخرى محلها . والالتفات إلى صفحة طويت فيه عبرة واعتبار لأنه  نوع من  محاسبة النفس  ، وهي محاسبة ما أحوج الناس إليها قبل أن يصيروا إلى خالقهم  ، فيحاسبهم  ، ولهذا جاء في الأثر : ” حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ”  ولعل استعراض  ما  اجترح أو اقترف مهما كان خلال  عام منصرم  نوع من المحاسبة التجريبية لا النهائية  بلغة البيداغوجيا. فكم من البشر تستقيم أحوالهم بمجرد استعراض ما كان منهم  أو كان من غيرهم في عام طووه وراء ظهورهم  . وخلاصة القول أن استعراض انجازات حول فائت عبارة عن تغذية راجعة لمن  كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد . والناس عندما يودعون  عاما من أعمارهم  يكون حالهم كحال من يودع الدنيا  ، وهو في لحظات النزع الأخيرة حيث لا يبقى له  الوقت الكافي لاستعراض دقائق حياته بل يصرف تلك اللحظات  المتبقية في محاولة استحضار كبريات انجازاته  الخيرة أوالشريرة . أما الخيرة  فيأمل أن تنفعه  من أجل ولوج عالم الأخيار في الحياة الأخرى ، وأما الشريرة فيأمل أن يكون بينه وبينها أمد بعيد . ومن طبيعة البشر أنهم شهود على بعضهم البعض في  هذه الحياة خصوصا وأن شهاداتهم تسجل  وستعرض على  خالقهم سبحانه يوم العرض عليه  ، وويل لمن  شهد الزور، وطوبى لمن  شهد بالعدل . والمطلوب  إذا ما شهد البشر في بعضهم البعض في هذه الحياة الدنيا  أن تكون شهاداتهم  مشروطة بشرط عدم تزكية المشهود لهم  على ربهم سبحانه وتعالى لأنه  جل وعلا هو وحده الذي يزكي خلقه . وشهادات البشر في بعضهم البعض لا تتجاوز الظواهرأما السرائر فيتولى الله عز وجل أمرها لأنه هو الأعلم بها . ولا يسع البشر حين يشهد إلا أن يردد مقولة إخوة  يوسف عليه السلام : (( ما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين )) ،وهذا يدل على أن شهادات البشر في بعضهم البعض  تقتصر على  المشاهدة في عالم الشهادة  ، أما  شهادة الغيب  في عالم الغيب فهي من اختصاص الله عز وجل .

انطلاقا من هذه القناعة  الراسخة عندي دعيت إلى شهادة في رجل من رجال العالم الكبير والوطن الإسلامي  والعربي الكبيرين، والمغرب  الكبير والصغير والجهة الشرقية  ومدينة وجدة  ـ وأنا أقدم بين يدي  شهادتي فيه  شرط الشهادة الشرعية   بالقول لا أزكيه على الله عز وجل ـ وهو رجل فاضل  وخير يتخذه خلق كثير قدوة وأسوة لفضله  وخيريته . ولا يمكن أن تطوى صفحة عام مضى دون أن  يذكر هذا الرجل  في جهتنا الشرقية وفي وطننا الصغير والكبير وفي عالمنا  العربي  والإسلامي  والعالم أجمع. ولما كانت الطبيعة البشرية هي نشدان المكارم ، فإن أصحابها  تتوجه إليهم العيون. وهذا الرجل الفاضل يستقطب الأنظار  لفضله الذي  أكسبه إياه علمه.  وإذا كان للناس مذاهب في طرق أبواب الشهرة ، فقد اختار هذا الرجل  أفضل الأبواب ليكون شهيرا ، وهو باب العلم  مع أنه  لم  يضع نصب عينه الشهرة التي  ينشدها أهل الفن والرياضة والسياسة  ومختلف  الاختصاصات. وللشهرة  حالتان : شهرة  يخطب الناس ودها ، وشهرة تخطب ود الناس ،  وشتان بين الشهرتين . لقد بدأ هذا الرجل قرع باب الشهرة العلمية من  أول عتباته حيث بدأ مدرسا لصغار المتعلمين في سنوات الاستقلال الأولى ،  إذ  كان الرهان يومئذ متعلقا بمحو الأمية التي  كرسها المحتل الفرنسي  بسياسة الأرض المحروقة ، والعقول المحروقة أيضا . وكانت طريقة تدريسه كما شهد بذلك من  استفاد منها متقنة  وصارمة وهادفة . وخطا خطوة ثانية نحو باب الشهرة العلمية  حين انتقل للتدريس في التعليم الثانوي ، ولم يقدم على ذلك حتى  أهل نفسه لذلك التأهيل المناسب ، وهو الرجل العصامي  الذي لا يعول إلا على جهده . وبالمناسبة العصامي نسبة إلى رجل يدعى عصام ،وكان حاجب النعمان بن المنذر بن ماء السماء يعول على كفاءته ، ولا يعول على حسب أو نسب  ، وقد جاء ذكره في شعر النابغة الذبياني يوم منعه من عيادة النعمان حين كان مريضا فقال له :

فإني لا ألومك في دخول //// ولكن ما وراءك يا عصام

لم يكن فضيلة العلامة الدكتور مصطفى بنحمزة في يوم من الأيام طالبا  لمنصب  لا يملك  ما يؤهله لتبوئه خلاف ما يفعل كثير من الناس اليوم الذين يريدون مناصب مجانية  وليس في جعبهم ما يؤهلهم لها . وخطا بعد ذلك  خطوة ثالثة نحو باب الشهرة العلمية حين انتقل إلى التدريس بالتعليم العالي  بعدما أهل نفسه مرة أخرى بحصوله على شواهد علمية وأكاديمية . ولم يكن الرجل يخطو خطواته نحو  باب الشهرة العلمية من طريق واحد ، بل  كانت له طرق أخرى حيث  كان يجلس إلى أهل العلم أمواتا وأحياء ينهل من علومهم من أجل أن يوفر لقدمه الرسوخ في العلم . وكان طموحه  فوق كل تصور حتى حاز درجة العلامة التي  لا يوصف بها  مجاملة  كما يوصف بها   بعض الناس ، لأنه  يتوفر على ما يلزمها من حفظ وفهم  وتدقيق وتبحر في مختلف المعارف . والرجل ـ تبارك الله ـ صاحب ذاكرة مدهشة والله يؤتي فضله من يشاء . ولقد جرت العادة أن الذين يرتادون باب الشهرة العلمية ـ وأنا أتحدث عن الذين  تخطب هذه الشهرة ودهم ، لا الذين  يخطبون ودها  وهي  عليهم عصية  ـ غالبا ما يركزون على أسلوب واحد أو أسلوبين  في تعاطيهم للممارسة العلمية . أما فضيلة العلامة مصطفى بنحمزة  فقد اعتمد كل أسلوب ممكن  حيث  بدأ ممارسة  العلم من حيث يجب أن يبدأ بتخرجه من مراكز تكوين المدرسين  حسب  تصنيفاتها وبترتيب  ودون قفز وإحراق للمراحل كما تقول العامة . ولم  يعول على عصاميته  ولا اغتر بها  وإنما التمس له شيوخا  تلقى منهم العلم مشافهة ومجالسة ومصاحبة . ولم يكن يوما ما مجرد صحفي  ينهل من الصحف  فقط  كما يفعل بعض المحسوبين على العلم . ولم  يكتف بأسلوب التدريس في مختلف المستويات الابتدائية والثانوية والعالية ، وهو أسلوب تدريس يتراوح بين  الدروس التطبيقية والمحاضرات الأكاديمية ، بل  عمد إلى أسلوب المحاضرات والدروس الخاصة  بالكراسي العلمية في المؤسسات والمعاهد الدينية والمساجد ، فضلا عن أسلوب المحاضرات في مختلف مؤسسات المجتمع المدني . وكل هذه الأساليب في التدريس جعله باحثا علميا  بامتياز ، وهو أصيل في بحثه العلمي على طريقة  سلف الأمة من  كبار العلماء  بحيث  يؤصل  علمه التأصيل  الصحيح ويبنيه بناء محكما ورصينا . ولقد جعله التدريس في المؤسسات التربوية على اختلافها  محاضرا بارعا ، كما جعله اشتغاله  العلمي بالمؤسسات الدينية خطيبا مفوها  ، وواعظا قل نظيره . وكل ذلك  جعله كاتبا راقي القلم ، لا يقل منطوقه عن مكتوبه بلاغة وفصاحة وجزالة ، وهو أمر يدركه بيسر وسهولة من يتابع  محاضراته ودروسه ، ومن يتصفح مؤلفاته  المختلفة . وهو ذكي الإشارة  قوي العبارة في كلامه  وفيما يكتب ، إذ يرصف عباراته رصفا متقنا  لا حشو فيها  ولا تناقض ، بل يشد بعضها برقاب بعض في منطق قوي ومفحم وأسلوب جزل فخم . ولا يغادر فكرة  حتى يوفيها حقها من البيان ، والحجة والبرهان . ويبدو في كلامه ككبار المتكلمين الذين  يستحضرون مقولات الخصوم ، فيردون عليها  بذكاء قاطعين أمل  كل  مشكك  أو مرتاب ، وحاسمين أمر النقاش حسما مبرما . وهو موسوعي  التكوين يطوف بمختلف  المعارف طواف العارف  بيسر وسهولة تسعفه في ذلك ذاكرة ـ ما شاء الله ـ لاقطة  ودقيقة دقة متناهية . وهو  صاحب بديهة يرتجل الكلام ارتجالا في كل المناسبات ، ولا تعوزه العبارات المناسبة في المقامات التي تقتضيها . وهو خبير بالمقامات والأحوال  وأقدار المخاطبين ،فيستعمل الأسلوب المناسب  لكل مقام وحال  ولكل قدر من الأقدار . ولقد أوتي قدرة هائلة على استمالة  من يجلس إليه  وينصت إلى كلامه ، وهو ما يعرف عند أرباب وأساطين الكلام  بعنصر التشويق الذي  يركبه  الأدباء والشعراء والقصاص من أجل شد انتباه الناس إلى ما يقولون  بنهم  وشغف . وهو معروف بغرائب المعلومات  وطرائفها  والشارد منها، والتي لا تصطادها  حبال حابل ولا نبال نابل  إلا بشق الأنفس . وقد يجالسه صاحب اختصاص ، فيبهره بعلم ما لم يحط به علما بالرغم مما يظن في نفسه من خبرة وكفاءة في ميدانه ومضماره . وهو مطعم كل طاعم استطعمه في علم أو معرفة . وهو مسدد من زلت به قدمه في علم أو معرفة . وهو جواد جود علم معرفة  ، وجود يد لا يبخل  إذا بخل البخلاء . ومن كرمه العلمي  والمعرفي  والمادي أيضا ينهل الناهلون اقتداء وإسوة ، مع أن كرمه لا يضاهى  ، ولا يسابقه في مضماره سباق . عمد إلى  رجال تربية  قصرت بهم همم طلب العلم ، فصاروا أصحاب همم بعد أن قدح زنادهم ، وتعلموا وعلموا ، وكان فضل  كل ذلك له . وعمد إلى  حفاظ كتاب الله عز وجل  ، وكانوا من قبل  يقرءون القرآن على الأموات ، فجعلهم يحبرونه للأحياء تحبيرا ، ويتنافسون في التغني به أشد التنافس حتى صار الناس  يميزون بين مزاميرهم ، ولا يتذوقون إلا ما لذ وطاب منها . وأغرى حفاظ كتاب الله عز وجل  بطلب  ما يفضي بهم إلى تشربه وتذوقه من علوم شتى ، فبرعوا فيها فصاروا علماء وكانوا مجرد حفاظ  لا يجواز علمهم حفظ كتاب الله عزوجل دون علم به . وانطلقت ألسنتهم  بالخطابة والوعظ ، وكانت من قبل منعقدة بالعي  ، وسلست أساليبهم ، وكانت من قبل ركيكة .واقتدى به خلق كثير من أهل التدريس ، فتنافسوا طلب العلم والمعرفة ، فصار لهم شأن لم يكن لهم من قبل . وأسس بحق مدرسة يليق  بها أن تسمى وتنعت بالمدرسة الحمزاوية نسبة إليه ، وقوامها طلب العلم الصحيح  بالمنهج السليم  من  موارده  وعلى يد شيوخه من أهل الخبرة  والكفاءة  والقدم الراسخة في العلم والمعرفة . ورفع مستوى  الخطاب الديني والعلمي درجة غير مسبوقة حتى صار الذين يقتدون بها لا يرضون بما كان عليه المستوى من ضحالة وفجاجة من قبل في فترة خمول وجمود . وتنافس الخطباء والوعاظ على المنابر  وهم يتمثلون شيخهم وأستاذهم في الخطابة والوعظ . وصارت مواعظه ودروسه  مراجعهم  ومصادرهم ، وصاروا  يحضرونها  أسبوعيا لنقلها طرية ندية  إلى غيرهم  بأساليبهم  وطرقهم . ولقد عودهم أن  تكون مواعظه وخطبه  مسايرة لما يجد في واقع الناس المعيش ، وهو  خبير بهذا الواقع  يتصفحه يوميا من خلال الجرائد والمجلات ، والمواقع العنكبوتية ، والقنوات الفضائية ،  والاستماع  والجلوس إلى الرواة الذين ينقلون له مختلف الروايات من خلال الشهادات الحية . وهو صاحب ذوق رفيع يطربه الأدب الرفيع  ، وهو يتمثل  كثيرا الشعر الجيد وشعر الحكمة ، ويهتم بالشعراء اهتمام الأمراء  ، ويقربهم  ، ويشجعهم  ، ويشجع  طلاب العلم على  ترويض قرائحهم على الشعر الهادف ، ويرى أن الشعراء خدام كتاب الله عز جل إن هم أحسنوا وأجادوا.

هذا هو  فضيلة العلامة الدكتور مصطفى بنحمزة   في العلم بعين  طالب علم عرفه أول مرة بكلية الآداب  بجامعة فاس  ،وهو يتردد عليها  بين الحين والآخر طلبا للعلم  ، واجتيازا للامتحانات من أجل الحصول على الشواهد العليا  ، وكان يومئذ يجمع بين  الدراسة في كلية الآداب  ودار الحديث الحسنية ، وينهل منهما  من أجل  تكوين شخصيته  العلمية العصامية  الفذة . وكان طالب علم جاد  تعلم منه   طلبة العلم الجد  والأنفة فيه . ولا زالت أفخر  بشهادة العلامة الدكتور عبد الله الطيب المجذوب رحمه الله الذي اختبرني في ائتلافات قدامة بن جعفر ، فأحسنت وأنا أريد المزيد فقال لي : ” حسبك عن القلادة ما أحاط بالعنق ”  وكنت دائما أحلم بالجلوس بين يديه  كما جلس بين يديه فضيلة العلامة الدكتور مصطفى بنحمزة فقال له  وهو يمتحنه  في  امتحان شهادة استكمال الدروس : ”  أنت عالم ” . ولقد جعلت من يومئذ فضيلة العلامة قدوتي في طلب  المجد العلمي . وأخيرا حين  أرخي  وأسلس القياد لعاطفة محب   لهذا العلامة  ، فإنها تركب خيالها المجنح  وتقول  إن العلامة  في العلم  أعز من جبهة أو أنف الأسد أو من عقاب الجو أو من الأبلق العقوق  أو من بيض الأنوق أو من الغرب  الأعصم أو الكبريت الأحمر. وهو في المعرفة  أعلم  من عالم  بمنابت القصيص  . وهو من  العلماء الأمناء على خلق علام الغيوب . وإذا  قورن بغيره  قيل لمن مدح معه فتى  ولا كمصطفى. هو  قلادة العلماء وواسطة عقدهم . لا يشق له غبار في علم  أو معرفة .  وهو عقل من شاوره  ونعم العقل . وهو من خيار الناس لفرحه  للناس بالخير . وهو صاحب صوت وصيت وصات علمي ومعرفي لامثيل  له  في هذا الزمان . وإلى فرصة أخرى مع  شخصية العلامة  الانسانية  الموازية لشخصيته العلمية . وحق له أن يختار شخصية  هذه الألفية ، لا مجرد شخصية سنة يتيمة فيها .

محمد شركي


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

2 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. محسن
     

    اختيار الأستاذ مصطفى بن حمزة كشخصية لسنة 2012 من قبل موقع وجدة سيتي اختيار موفق وسديد لا ريب في ذلك، ولكن يلاحظ أنه هناك غيابا مطلقا لأطراف مهمة من أجل تقديم شهادات في حق الأستاذ الجليل ، خصوصا وأن لها صلة وثيقة بفضيلة الأستاذ.
    أين المجلس العلمي المحلي لمدينة وجدة الذي يترأسه فضيلة الأستاذ مصطفى بن حمزة ؟ أين أساتذة جامعة محمد الأول بوجدة التي ينتمي إليها الأستاذ مصطفى بن حمزة ؟ أين خريجي معهد البعث الإسلامي للعلوم الشرعية الذين يشغلون الآن مناصب مهمة ؟ أين حفظة القرآن الكريم ؟ أين خطباء مساجد مدينة وجدة ؟ أين وعاظها وأئمته وعلمائها ؟ أين المحسنون ؟

     
  2. رفاف
     

    اختيار موفق لموقع وجدى سيتي لشخصية سنة2012 العلامة مصطفى بنحمزة،كما ان كاتب المقال الاستاذ شركي من الاساتذة القلاءل في هذا الوطن الذين يكتبون بكل مصداقية وموضوعية عن كل المواضيع.

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Prix voyage

Billets d'avion

 

yahoo

 
 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles