Home»Débats»دورات العبث وبيع الوهم في التنمية البشرية

دورات العبث وبيع الوهم في التنمية البشرية

1
Shares
PinterestGoogle+
 

أحمد الجبلي
وصلني إعلان من مركز تدريب يسمي نفسه دوليا يعلن فيه عن دورات قصيرة المدة عبارة عن سندويتش خفيف لا يتجاوز الساعتين، فقلت لأحضر حتى أرى ماذا أصبحت تقدم هذه المراكز الجديدة للشباب من بضاعة، وحتى أعرف إن كان التدريب قد تطور على أيدي هذا الجيل الجديد أم لازال يزأر تحت نير العبث وبيع الأوهام.
لا أستطيع أن أنفي أن الفكرة ذكية، أي أن تسمي مركزك دوليا وتسمي مدربك عالميا وتدعو إلى دورات خفيفة مقابل شهادة من ورق لا تكلف أصحابها حتى 0,5 درهما مقابل 50 درهما، وإذا كانت هذه الشهادة اختيارية فإن المغاربة ذوو أنفة وحتما سيقتني أكثرهم هذه الشهادة كمقابل لحضور هذه الدورة أو على الأقل سيستعينون بها في تطعيم السيرة العلمية إن كانوا طلبة.
لازلت أذكر أننا كجيل ألفين في التدريب قد عقدنا خمسة مؤتمرات في بلادنا حتى نضع التدريب في مساره الصحيح، يوم كان المدربون يعدون على رؤوس الأصابع، وذلك بوضع ضوابط وتحديد معايير حتى نرفع من المستوى الذي ينبغي أن يكون عليه التدريب في المغرب.
فمن الأمور التي أخذت منا وقتا هي تحديد أصناف المدربين وتحديد معايير قد وصلت إلى سبعين معيارا يجب أن يتصف بها هذا المدرب كي نستطيع أن نمنحه الانتماء إلى فئة ألف مثلا، وأما عن التسميات ك »مدرب دولي » أو « عالمي » تفاديا لأي عبث أو تمييع للتدريب قلنا لابد للمدرب كي يستحق لقب « دولي » أن يكون قد درب في ثلاث قرارات على الأقل، وإذا أراد أن يسمى وطنيا فعليه أن يدرب في أزيد من ثلاث مدن مغربية.
لقد حضرت، إذن، أشغال دورة من هذه الدورات، وقد حددتها بدقة مسبقا وهي دورة فن الالقاء، على اعتبار أنني أحسبني ملما بمضامينها وما كتب حولها ولأنني اطلعت على تجارب أهم الخبراء في هذا المجال كنيك مرغان وجون ماكولاف ودايل كارنيغي وكاترين شيرا سكوت وغيرهم. كما أن لي كرسا شخصيا كدورة ذاتية لازلت أحينها منذ أزيد من عشرين سنة، إلقاؤها يستغرق ستة عشرة ساعة، أي يومين كاملين.
وكانت نتيجة حضوري لهذه الدورة تسجيلي لملاحظات عديدة سواء على مستوى المضمون أو على مستوى التدريب وسأكتفي بالمضمون حاليا:
قبل الحديث عن المضمون لابد من الإشارة إلى أن السيد المدرب الشاب كان نمطيا في كل شيء، أي كان رتيبا محافظا على نفس المستوى من حيث الجهد والحركة والصوت والشرح وهذا الأمر سيجعلنا نتساءل قائلين:
هل تعمد أن يكون شحيحا في تعاطيه مع الأفكار والمعلومات والشرحات، ولذلك كان يقفز على أفكار مهمة لم يتعرض لها بالشرح والتفصيل، أم أن الزاد الذي لديه حولها قليل؟ فإذا كان كذلك فلا يمكن لومه لأنه أعطى للجمهور كل ما يعرف من جهة. ومن جهة أخرى سيلام كثيرا حسب منهج قيدوم الالقاء والخطابة جون ماكولاف الذي يحدده بقوله « إن الذي يواجه جمهوره بزاد قليل فهو يبحث عن المتاعب ». أي كان من الممكن بمجرد تدخل أو سؤال أن ينهدم البناء كله…لا يغرنك أن يقال عنك دولي وعالمي.
بعض الأفكار جاء بها مكتوبة في عرضه لم يكن يفهمها وبالتالي ما كان يستطيع أن يقدم لها شرحا ولذلك فمن حسن الحظ أن لا أحد أدرك غرابة الأمر ولذلك لم يطرح أي أحد سؤالا قد يكون محرجا. وهذا الأمر له وجهان الوجه الأول هو أن الجمهور يريدك أن تنجح حتى يتماشى مع كونه جاء بإرادته ولأنه جاء مسرورا ليستفيد، وهذا الشعور سيجعله يداري أشياء ويقبلها حتى دون أن يفهمها، لأن أي إحراج للآخر، من هذا الموقع، هو في حقيقته إحراج للذات.
أما الوجه الثاني فإن طبيعة الجمهور كما هو واضح أناس متعطشون للتنمية البشرية والدورات التكوينية، ولو كان من بينهم خبراء وأهل التخصص فحتما سيقومون بغربلة جميع الأفكار التي طرحت، وسيتساءلون في غرابة عن عدم انسجامها مع السياق لأنها أقحمت إقحاما دون مبرر، أو أنها ذكرت رغم غموضها وكانت تحتاج إلى شرح وتعليل.
لأعطي نموذجا واحدا، على سبيل المثال لا الحصر، ذكر السيد المدرب أن من بين خصائص المخاطِب ) بكسر الطاء( الاستماع الجيد، فعندما قرأ المدرب هذه الخاصية وقف هنيهة خفيفة غير مثيرة للعوام، وكأنه أراد أن يقوم بشرح معنى أن يكون الذي يلقي الخطاب مستمعا جيدا، ولكنه فطن إلى أنه من الصعب شرحه لأنه كلام يبدو متناقظا أي كيف يكون المخاطب الذي يخاطب الناس مستمعا جيدا في حين أن الناس هم من يستمعون له وعليهم هم أن يكونوا مستمعين جيدين حتى يضبطوا عنه كلامه، أي هو في مقام المتحدث وليس في مقام المستمع أو المنصت.
وهذه المعضلة يقع فيها المدرب عندما لا يكون هو من صنع الكرص « الدورة » وتعب في صناعتها فجمع مادتها العلمية والفنية والتقنية وقرأها حتى يستخرج الأفكار وبالتالي كل فكرة يضمنها دورته يكون في عقله منها قصة ومعاني وسياق. فيستحضر بسهولة ويسر المراجع والكتاب والسياقات التي وردت فيها، ولهذا لم يستطع المدرب أن يذكر ولو مرجعا واحدا، ولا كاتبا واحدا أو مفكرا باستثناء طارق سويدان وللأسف ذكره ليعتبره أنه من أمهر الخطباء وهو شيء غير صحيح لأن طارق سويدان في خطابه لا يملك أدنى مسحة وفق معايير الخطاب المؤثر، كما ذكر ستيفن كوفي لكن في سياق خارج عن سياق مضمون الدورة. رغم أنه أعجبني كثيرا عندما نطق اسم ستيفن كوفي ذكر « آر » حتى يميزه عن ستيفن كوليدج الذي قرصن جل كتب ستيفن آر كوفي، و »آر » تعني ريتشارد.
عندما نتتبع أمهر الخطباء في العالم نجدهم يتحدثون كلهم تقريبا عن مهارة الاستماع الجيد التي يجب أن يتحلى بها المخاطِب، ولكن ما معنى أن يكون المخاطِب مستمعا جيدا، في كتابه « فن الحديث والإقناع » يضع جون ماكولاف لهذا الموضوع عنوانا هو « كن مستمعا لجمهورك » أي إن خبير الخطباء وأستاذ الأمريكيين والذي كان يعد خطابات العديد من رؤساء أمريكا، عندما يقول « كن مستمعا لجمهورك » أي هو يخاطبك ويطالبك بالاستماع وأنت تلقي خطابك، أي يطالبك بالاستماع وفمك مفتوح يتحدث، وهنا يحدث الإشكال كما وقع لمدربنا، ولكن سرعان ما يزول العجب عندما نعرف أن جون ماكولاف يقول: « عندما ترى جمهورك ينظر إلى الأعلى يحصي أعمدة المبنى، أو ينظر إلى الساعة، فاعلم أنه يقول لك لقد أطلت » أي استماع المخاطِب يتجلى في قراءة ردات فعل الجمهور ومرتداته الفعلية، لأنها رسائل مهمة تجعلك تتصرف وفقها، ولذا عندما يرى الخطيب أحدا من الجمهور يقوم بحركة بوجهه امتعاضا دلالة على عدم الفهم، فكأن هذا السيد قال لك يا سيدي مزيد من الشرح، من فضلك، فإنني لم أفهم ما قلت، وحينها ما يكون عليك سوى المزيد من الشرح ومن الأفضل أن تضرب مثالا لأن المثل يقرب البعيد ويزيل الإبهام والغموض.
ربما يحق لنا أن نذكر بعض الأفكار المهمة التي مر عليها المدرب الشاب مرور الكرام مع أنها تعتبر حجر الزاوية في ميكانيزمات الخطاب، من ذلك ذكره لما يسمى بنظرية ألبير مهارابيان، وذكر اسم النظرية كان أقل ما كان يجب عليه ذكره، وألبير مهاربيان هو عالم فرنسي التحق بجامعة هارفارد سنة 1966 وهناك أي في أمريكا كتب كتابه الضخم « البلاغ الصامت » وفي هذا الكتاب قد ذكر نطريته نظرية الكلمات الثلاث، والتي يعني بها الكلام والصوت والحركة، وعندما تحدث عن الكلام منحه نسبة أقل بكثير وهي 7 في المائة، فلابد من المدرب أن يشرح لماذا لا يمثل الكلام سوى 7 في المائة مع أنه هو نفسه تحدث أثناء الدورة عن أهمية الكلام في إيصال المعاني والإقناع أي منذ بداية الدورة وهو يعطي للخطاب الكلامي أهمية قصوى، كما هو مطالب بأن يشرح لماذا وما هي الدوافع والمبررات التي جعلت ألبير مهارابيان يمنح الكلام هذه النسبة الشحيحة فقط؟
إن مدربا يتحدث عن نظرية الكلمات الثلاث ولا يستطيع أن يشرحها حتما لا يمكن أن نطلق عليه اسم خبير أو عالمي أو دولي. يقول مهاربيان في كتابه « البلاغ الصامت »: « إن كلماتنا لا روح فيها إلا الروح التي ننفخها فيها، ولا معنى فيها إلا المعنى الذي نعطيه لها » وهو هنا يريد أن يقول إن الكلمات عندما تنطق لا معنى لها فنحن من يمنحها الروح والمعنى التي نريد، وهذا كلام علمي صحيح، كي يتضح يحتاج إلى أمثلة تجليه وتبرزه، فعندما أقول « بسم الله الرحمان الرحيم » وأنا أفتتح محاضرة فإن كل الذي سيسمعونني سيعلمون فورا بأنني سأفتتح الكلام، أي الطريقة التي نطقت بها البسملة هي التي جعلت الناس يعلمون معناها أنها لافتتاح الكلام، كما يمكن أن أقرأ البسملة بطريقة مغايرة فأقرأها بترتيل وتمديد فيعلم المستمع أنني سأبدأ قراءة القرآن، كما يمكنني أن أنطقها بطريقة خاصة كأنني أتعوذ من شيطان حالة الفزع، فأضغط على بعض الحروف وأخفف أخرى.
إن كلمة بسم الله الرحمن الرحيم هي كلمة واحدة ولكن معانيها الوظيفية تختلف وأنا من أعطيت المعنى الذي أردته عن طريق الطريقة التي نطقتها بها مستعينا بالصوت تحديدا.
والأمثلة كثيرة لا تكاد تحصى عددا.
أما لماذا أعطى ماهرابيان 38 في المائة للصوت فلأن الصوت يلعب دورا كبيرا في تحوير المعنى وإضفاء القوة عليه، فقائد جيش إذا أراد أن يحقق النفير فلن يتحقق له ذلك إذا دعا جيشه بصوت خجول خفوت، بل الموقف يحتاج إلى طريقة خاصة بنفخ الصوت إلى الأعلى وتمديده بشكل مثير يهتز له الوجدان حتى ينطلقوا بكل قوة وشجاعة.
وأما عن الحركة فيكفينا علما أن جميع أفلام السينما الصامتة قد فهمنا معناها ولم نكن في حاجة إلى كلام ولا صوت. لأن الحركة أبلغ من الكلام والصوت، ولكن الخلاصة هي أن معرفة انتقاء الكلمات بدقة مع إخراج الصوت الأنسب في تناسق مع الحركة المتطابقة يجعل خطابنا قويا ومستوعبا من طرف الآخر 100 بالمائة.
وأما عن الخوف من الحديث أمام الجمهور، فلم يقل في شأنه شيئا يذكر سوى أنه مطلوب وكما قال هو نفسه: « الذي لا يشعر بالخوف عليه أن يخرج من هذه القاعة » وهي كناية لم تغني عن الشرح فتيلا ولا قطميرا.
إن ما وجب قوله عن الخوف قبل الحديث أو مواجهة جمهور ما، كما يقول نيك مورغان: « إن الذي لا يشعر بالخوف أثناء الحديث إلى جمهور هو أحد شخصين: إما أنه إنسان غير طبيعي، أو أنه لا يبالي بتقديم حديث جيد »
إن السيدة مادلين هايز سيدة المسرح الأمريكي، حتى أن مسرح هانوي قد سمي باسمها، لقد ظلت هذه المرأة تصعد إلى خشبة المسرح لأزيد من ثلاثين سنة، وعندما سئلت من طرف صحفي إن كانت لازالت تشعر بالخوف عندما تزمع على مواجهة الجمهور كان جوابها: « إن اليوم الذي سوف لا أشعر فيه بالخوف هو اليوم الذي سأستقيل فيه »
كما أن الخوف هو الذي حدا بأحد الممثلين الفرنسيين إلى زيارة طبيب نفساني فسأله قائلا: « يا سيدي إنني كلما أقدمت على أن ألعب دوري في الفيلم إلا وشعرت بالخوف » فكان رد الطبي النفساني بقوله: « لا تخف من أن تكون خائفا » والأمثلة كثيرة.
فما معنى هذا الخوف؟ إن هذا الخوف عبارة عن طاقة داخلية جبارة، فإما يحسن الإنسان توظيفها لتكون في صالحه فيكون مبهرا قويا يصعق الجمهور، أو أن تدمره كلية إن لم يحسن توظيفها.
فما العمل إذن؟ بداية أنت مجهول لدى جمهورك فقط خلال تسعين ثانية، أي إلقاؤك كله يصبح رهينا لهذه الدقيقة والنصف، فإن اجتزتها بسلام نجحت في كل شيء، وهذا يتطلب منك أن تركز على أول ما ستقوله من كلام ولذا وجب عليك أن تحفظ المقدمة أو المدخل عن ظهر قلب، ففي هذه الحالة حالة الخوف سيقوم العقل باستشعار هذا الخطر فيعطي الأمر لإحدى الغدد فتضخ مادة الأدرنانين في القلب فتصبح جميع الحواس قوية أضعافا مضاعفة، وعادة ما يستغل الإنسان هذه القوة من أجل الهرب من حيوان أو النار أو أي خطر داهم، لكن هذه القوة الآن يجب استغلالها أحسن استغلال وتوظيفها في التركيز على الكلام وما سيخرج من فمك، وإن استعنت برسائل إيجابية يكون أفضل لك كأن تكرر قائلا: « اليوم سأصعق الجمهور » « سأبهره » أنا قادر على التعبير والكلام » « هم جاؤوا ليستمعوا إلي وأنا سأقول لهم ما لدي »…
أما عن العوارض الجسمية التي عادة ما تعترض الإنسان وتعتريه أثناء الوقوف أمام الجمهور فهي ستة: جفاف في الفم، ارتجاف اليدين، تصبب العرق من الجبين، فشل في الركبتين، ارتفاع دقات القلب، بلل في الإبطين »
هنا لابد أن أقول أنني فوجئت بالمدرب الشاب وهو يأمر بكثرة شرب القهوة والشاي، وقلت حينها ما دخل عملية شرب القهوة والشاي في الحياة بهذا الموقف وهذه اللحظة؟
فكل ما كان عليه أن يقول هو أن تبدأ بشرب الماء، وقد أشار مشكورا إلى ضرورة وجود كوب أو قنينة من الماء بالقرب منك، وعملية الشرب هاته يجب أن تكون بطيئة جدا حتى تبتل القنوات وترتوي، وبعدها أنت مطالب بأن تبدأ الحديث ببطء وإلا عاد الجفاف إلى فمك من جديد، وكما هو معلوم فخطورة جفاف الفم لا يمكن الاستهانة بها، لأنها تسبب في انكسار الكلمات وخروجها ملتوية مما يثير الضحك والسخرية لدى الجمهور وذلك لتعثر اللسان في الفم من جراء هذا الجفاف.
وأول ما ينصح به جميع الخبراء هو التنفس العميق لكونه سيمنح القلب هدوءا واستقرارا، وإذا كان الأستاذ قد نصح بعدم مسك أي شيء باليد فالعكس هو الصحيح لأن أثناء ارتجاف اليد لابد من مسك قلم أودفتر وهذا يجعل اليد تستقر ريتما ينطلق الكلام ويتم الاستئناس بالجمهور حينها لا تكون في حاجة لهذا القلم أو الدفتر.
أما عرق الجبين فيجب نسيانه وعدم الالتفات إليه لأن العرق عادة ما يسيل أثناء الحرارة وعدم الالتفات إليه سيجعلك تنساه وبالتالي ينساك أي يجف. كما كان يستحسن من المدرب أن يتحدث عن أفضل وسيلة لتدويب الجليد بينك وبين الجمهور باختيار الطرق الست المشهورة في التدريب والتي كلها تجعلك ترفع الحرج وتحول الجمهور إلى صديق في أقصر وقت ممكن كان تبدأ بقصة لكن بشروط أن تكون خادمة للموضوع أي صالحة كمدخل، وأن تكون قصيرة، وممتعة تشد الجمهور، أو أن تبدأ بشيء مرح يسر الجمهور أو أن تبدأ بالتعارف بطرق ممتعة من أهمها طريقة الكرة أو طريقة اللباس وهي طرق معلومة في مجال التدريب. كما يجب أن لا تخفى عنك في هذا السياق أن تكون على علم بمراحل الخطاب وهي كما يحددها ويليام جيمس ثلاثة: قل لهم ما ستقول لهم، قل لهم، قل لهم ما قلت لهم » أي عندما تبدأ الكلام من الممكن أن تبدأ بذكر ما تريد قوله ولن تجد في ذلك أدنى حرجا لأنك هيأته جيدا والتدريب الجيد يخفف من معاناة المعركة.
كما تحدث المدرب عن الموضوع وعلاقته بالعقل اللاواعي، ولم أستسغ كيف أمكنه الربط بين العقل اللاواعي والموضوع، لأن ما يتعلق بالموضوع هو التهييء الجيد، وما يمكن أن يعلق بالعقل اللاواعي كما يقول جون ماكولاف هو التدريب أثناء المرآة على الحركات الأنسب المواكبة للحديث والكلام، وذلك حتى تتبرمج وفقا للخطاب. وربما خانه التعبير لكونه أراد أن يتحدث عن الرسائل الإيجابية التي فعلا لها علاقة بالعقل اللاواعي أو العقل الباطن وهي تساعد العقل لكي يشتغل معك وليس ضدك.
أما عندما تحدث عن ضرورة اجتناب السياسة، فالأمر نوعا ما غريب لأن الموضوع هو فن الالقاء، وكل الذين هم فاعلون في المجتمع وجب عليهم أن يتعلموا هذا الفن على رأسهم السياسيون، وحتى الإحصاءات العالمية تخبرنا بأن أكثر الناس التحاقا بالمدارس العالمية التي تعنى بفن الخطاب نوعان النوع الأول هم التجار لكون التاجر يحتاج إلى تعلم فن الخطاب حتى يحسن التسويق لمنتوجه ويحسن إقناع زبنائه، والصنف الثاني هم السياسيون لأنهم في حاجة إلى تعلم فن الخطاب لكونهم في أمس الحاجة إلى دبلجة خطاب مقنع ومؤثر يجلب لهم أكبر عدد من المنخرطين أو المصوتين.
وعوض أن يتحدث عن اجتناب الحزبية الضيقة وعدم التخندق في جهة معينة لكونها تسبب للإنسان مشاكل كثيرة راح يحذر الشباب من الحديث في السياسة وهو أمر غير معقول ولا مشروع ولا مطلوب، لأن الذي لا يهتم بالسياسة سوف لا يهتم بالأسعار عندما ترتفع ولا يهتم بالقرارات التي تتخذ في البرلمان وهي من يرسم مستقبله ومستقبل أبنائه، مع أن من أهم أهداف التدريب هو صناعة الإنسان المتفاعل مع واقعه ووضعه داخل الأحداث لا خارجها لأن الأحداث إن لم تفعل فيها فعلت فيك.
فما يضيرك أن تضرب أمثلة بسياسيين أو أعمال سياسية المهم أن تخدم السياق وتحقق الفكرة المرجوة وتزيدها إيضاحا وجلاء، ولكن لابد من الحيادية وعدم التخندق لأن التحيز من شأنه أن يجلب عليك بعض النحل السام فيفسد عليك خطابك.
والملاحظ أن السيد المدرب في الوقت الذي حذر الحاضرين من أن يتحدثوا في السياسة راح ينغمس في الحديث عنها حيث مكث أكثر من 15 دقيقة وهو يتحدث فيها وعنها فتحدث عن الإخوان وعن بنكيران وعن رئيس تونس المخلوع بن علي وعن مرسي وعن…وقد أطال وفي التدريب كما هو معلوم الاستطراد الطويل يبعد الجمهور عن الموضوع كما يسبب الملل.
أما عندما أراد أن يكون موجها للحضور متى يمكنه أن يستشهد بالآية، فالأمر قد خرج كلية عن اللباقة والمعقول، وكأن هذا الجمهور ليس مسلما ولا يعيش في مجتمع مسلم به خمسون ألف مسجد وتلقى فيه خمسون ألف خطبة أسبوعيا في بلاد يرأسها أمير المومنين وحامي حمى الوطن والدين، وبالتالي فعليه أن يراعي متى يذكر الآية وكأنه سوف يرجم فعوض أن يجعل الملحد وأمثاله شواذ وقلة، أعطاهم من الأهمية كأنهم الأغلبية، وكأن المجتمع كله ملاحدة وبالتالي لابد من أخذ الحيطة والحذر أثناء الاستشهاد بآية؟؟
فهل تريد مني عندما ألقي محاضرة أن أسأل الجمهور أولا إن كان فيهم ملحد حينها فقط يجب علي أن أستشهد بآية قرآنية؟؟ إذن سأسأل كذلك إن كان فيهم بودي هندي يعبد الأبقار قبل أن أتحدث عن البقر، وسأسأل عن القادياني والبهائي قبل أن أتحدث عن أحمد ميرزا علي…بقيت هنا إذن دون كلام لأن أسئلتي لن تنتهي أبدا.
وأنت تعرف بأن لا أحد سيرفع يده مسبقا حياء، وبالتالي سيخلو الجو لك فتستشهد بما شئت، أستغفر الله، يا سيدي علم الناس على أنهم أحرار في أن يعبروا عن أفكارهم ومعتقداتهم كيفما شاؤوا، فقط عليهم أن يحترموا جميع الآراء وأن يبتعدوا عن التعصب، علمهم أن يدافعوا عن ما يعتقدونه بأدلة وبراهين، وألا يتبنوا أبدا أفكارا دون قناعة حتى يستطيعوا الدفاع عنها، ألم تسمع كلام فولتير: « قد أخالفك الرأي ولكنني على استعداد أن أضحي من أجل دفاعك عن رأيك »؟ ألم تسمع قول الإمام الشافعي: « قولي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب »؟
أتريد أن يكون المتحدث قدوة؟ جيد، لكن ما دخل القدوة في فن الالقاء والخطابة، إذن عندما أسافر من وجدة إلى الرباط محاضرا فالناس هناك لا يعرفونني وبالتالي هل لا ألقي خطابي ومحاضرتي لأنني لست قدوة لهم من موقع أنهم لا يعرفون عني شيئا؟ هل سأنتظر حتى يعاشرونني لشهر أو يزيد وحين يطمئنون إلى أفعالي وأفكاري ويروا بأنها منسجمة وأنني لا أتناقض مع ما أقول حينها سألقي المحاضرة؟
عندما زار ستيفن كوفي الكويت سنة 2010 وحاضر فيها، فهل وقف أحدهم وقال له: أنت تشرب الخمر وبالتالي أنت لست قدوة لي؟ أنت تقول في كتابك « العادات السبع من أجل الأسر الأكثر فعالية » كلاما كثيرا يختلف اختلافا جوهريا مع معتقدنا وأعرافنا وقيمنا نحن الكويتيين وبالتالي لا نسمع لك.
الحديث عن القدوة له ظروف أخرى ومجالاته في التربية رغم أن القدوة لدى الطفل الصغير تختلف اختلافا كبيرا عن القدوة لدى اليافع الكبير.
أنا أعرف ماذا تقصد بالقدوة لأنني أعرف جيدا محاور الموضوع ومضامينه وسياقاته، ولكن الجمهور لا يعرف، فدعني أشرح لك إن شئت:
عندما قام أكبر الخبراء في فن الإلقاء والخطابة في جامعة فرجينيا منهم بيتر مارش صاحب الدوائر الثلاث في العلاقات الاجتماعية بدراسة كل خطباء القرن العشرين، أجمعوا أمهم بأن هتلر يعد أمهر الخطباء على الإطلاق، كما وجدوا أن سر ذلك في أربعة أسس كان يتأسس عليها خطابه وهي:
المعرفة: وكما يقول جون ماكولاف: إن الذي يواجه جمهوره بزاد قليل فهو يبحث عن المتاعب »
الإخلاص: المعرفة وحدها لا تكفي إن لم تكن مقتنعا بهذا الكلام الذي تريد إلقاءه على الجمهور، وبالتالي فوجود الإخلاص لوجود الإيمان بهذه الأفكار هو من سيمنحك مصداقية كبيرة وبالتالي ثقة الجمهور وتفاعله. هذا ما تعنيه أنت بالقدوة أي أن يشعر الجمهور بأنك صادق فيثق فيك ويؤمن بك.
وأما الحماس فأنت أصلا لم تذكره كمكون مهم في ميكانزمات الخطاب، لأن شعور الإنسان بالإخلاص يؤدي به حتما إلى الحديث بحماسة. وللأسف يا صديقي فأنت لم تكن متحمسا نهائيا في إلقائك، فابحث لماذا يا رعاك الله. لقد كنت راتبا في خط واحد قلبا وقالبا صوتا وشرحا سرت على نمط واحد من البداية إلى النهاية. لا أدري لماذا ولكن عندما رأيت جودة الشهادة المقدمة للحضور حينها عرفت لماذا. أرجوك ارفع على الأقل من جودة الشهادة واجعلها من الورق المقوى وابدل جهدا في القائك ولا تبخل على ذاك الجمهور الرائع بأي معلومة تملكها عن الموضوع.
كما أن العديد من التوجيهات التي قدمتها لمن يريد أن يكون مخاطبا ماهرا هو نفسه لم يفعلها أثناء هذا العرض الخطابي.
لقد طالبت الجمهور بأن يستشهد بآيات قرآنية أو أحاديث نبوية أو قصص أو أمثال أو نكت أو فيديوهات تكسر بها الجليد وتقضي بها على الملل، لكن إن لم تخني الذاكرة لم تذكر ولو آية واحدة أو حديثا نبويا ولا ذكرت نكتة ولا مثلا وأما الفيديو فهو فيديو لا يتوفر على معايير ومحددات التوظيف، لقد قلت بضرورة معرفة الجمهور ومعرفة حاجياته حتى تصوغ خطابا مناسبا، فهل في رأيك الفيديو الذي يتحدث فيه طفل صغير مناسب وسيعلمهم كيف يتحدثون وهل الفيديو يتضمن تلك الأسس والتوجيهات التي جاءت في الدورة؟ ثم ما بك لم تعر الفيديو أدنى اهتمام ولم تقم بشرحه حتى تكيفه وفق ما تريد لهذا الجمهور أن يفهم ويعي حتى يستوعب تطبيقات عملية في فن الالقاء؟
أخيرا، هل يمكن أن يستوعب الجمهور دورة حول فن الالقاء خلال ساعة ونصف أو ساعتين؟ هل تعلم كم عدد الأمور والوحدات الأكثر أهمية والتي لها علاقة بما لا يسع المرء جهله عندما يريد أن يتعلم فن الخطابة، للأسف أنت لم تذكرها بتاتا؟ إذن كان عليك الا تسمي هذه الدورة بدورة فن الالقاء بل كان عليك أن تسميها مدخل لفن الالقاء حتى لا نموه على جمهور يظن أنه سيستفيد من دورة كاملة وسيأخذ شهادة تشهد له بذلك.
لا شك أنك تعرف أن تدبير الوقت جزء مهم في تدبير الدورة، ولكن قل لي هل كان ضروريا أن تجعل الجمهور يتفاعل معك وأنت تستنطقه باحثا عن المخاوف العشرة تنتظر منه أن ينطقها كاملة؟ في حين أنك لا تحتاج إلا إلى عشرها، أي إن للموضوع علاقة مباشرة فقط بخوف واحد من تلك العشرة وهو الخوف من الكلام أمام الجمهور، ألم تدري بأنك أضعت وقتا كثيرا في ذلك؟ فرحت تتكلم عن الموت والكلاب والوحوش المفترسة والحشرات وسراق الزيت والمرتفعات وأعماق البحار، وهو وقت كان يمكن استغلاله في شرح أمور مهمة لم تتحمل عناء شرحها. ولهذا كان يمكن صناعة استبيان يوزع على الجمهور من خلال طرح أسئلة موجهة في مضامين ما كتب على الشاشة وكنا حينها سنحدد بالأرقام النسبة المائوية التي تبرز مدى فهم الجمهور لما حوته الدورة.
ثم كيف تسمون تلكم الشهادة بأنها صادرة عن مركز دولي؟ فهل هي فعلا دولية؟ هل سبق ورأيتم شهادة دولية تطبعها إيلاف ترين أو الأكاديمية العالمية للتطوير الشخصي والتدريب القيادي أو أكاديمية أوكسفورد أو ضمن مشروع سفراء التنمية العرب وهي مجرد ورقة بيضاء لا تساوي ثمن طبعها؟
هل تحمل رقما تسلسليا عالميا؟
هل تحمل الرقم التجاري ورقم الإيداع القانوني؟ أم هي مجرد ورقة بيضاء تبيع الوهم للناس؟
هل موقعة من طرف المدير العام الدولي للأكاديمية؟
هل تحمل ختما محفورا يجعلها غير قابلة للتزوير؟
ثم أين يوجد المقر الرئيسي لهذا المركز الدولي بما أنه دولي؟ وإذا كان دوليا فعلى الأقل كان ينبغي أن يسمى المقر بالمغرب بفرع المغرب؟
إن الجمهور عملة نادرة فحافظ عليه بتطوير نفسك، ولا تترك أحدا يرفعك بالتعريف بك أكثر مما أنت عليه، بل اترك الجمهور يقول عنك مدربا دوليا واتركه يقول عنك دكتور وخبير.

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.