Home»Débats»بلاد المهجر وقضية الاندماج

بلاد المهجر وقضية الاندماج

1
Shares
PinterestGoogle+
 

جرت العادة أن ازور أوروبا وتحديدا ألمانيا وهولندا في شهر ديسمبر من كل سنة وقد تمتد هذه الزيارة في بعض الأحيان إلى منتصف شهر يناير لأتمكن من صلة الأرحام و خصوصا الأحباب منهم والأقارب

بعد وصولي إلى البيت الذي  سأستقر فيه  لبعض الوقت ،وبعد أخذ قسط من الراحة  توجهت إلى مسجد بمدينة  هيلدن بألمانيا لأداء صلاة العصر ،وهناك التقيت بنفس الوجوه الشاحبة والأعين الغائرة التي ودعتها في السنة الفارطة ،وقد تخلف بعضهم عن حضور الصلاة ربما  لأسباب مرضية أو بسبب العجز البدني ،وقد يكون منهم من رحل إلى الأبد معلبا داخل صندوق ليوارى الثرى في مقابر الوطن الذي ضاق عليه يوم كان شابا يافعا  كما حدث خلال هذا الأسبوع حينما أدينا صلاة الجنازة على رجل من الرعيل الأول من المهاجرين الذين أفنوا حياتهم في خدمة وطن كانوا يعتقدون أنهم سوف لن يعمروا فيه سوى لبضع سنين ثم يعودون إلى أوطانهم الأصلية  ، هكذا كانت نواياهم الحقيقية وهكذا كان حلمهم المؤجل إلى آخر نفس من حياتهم  للظروف القاهرة التي أرغمتهم على ترك أوطانهم  و الاستقرار في ديار الغربة كما كانوا وما زالوا ينعتونها  رغم أنهم قضوا فيها جل حياتهم وأنشئوا على أراضيها جيلا ليكون هذا الجيل جيلا آخر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أو أن يحدث الله أمرا كان مقدرا في الأزل كما فرضتها السنن الكونية منذ النشأة الأولى للخليقة  ، فقد عرفت البشرية  أنواعا من الرحلات والتنقلات عبر الزمان والمكان حتى عصرنا هذا الذي أصبحت فيه شروط  الهجرة أكثر تشددا لظروف أملتها طبيعة الحياة التي أضحت أكثر تعقيدا وأصبح ينظر لظاهرة الهجرة بعين الريبة والحذر للوافد الجديد على مجتمع أصبح يدعو إلى الانغلاق حول الذات لذلك أصبحت قضية التعايش والتساكن بين السكان الأصليين والمهاجرين ليس بالأمر الهين  كما قد يظن البعض لأن جميع التجمعات البشرية على رقعة معينة فوق هذه الكرة الأرضية  مرهونة  بطبعها وفطرتها بجدلية الانتقاء و الانتماء لحيز مكاني أطلقوا عليه لفظ  الوطن ،وهذا الإحساس العميق الذي يتكون في ذهن  كل فرد من أفرادها يمليه  عامل الهوية الذي ينشأ مع الفرد منذ صرخته الأولى في هذا الوجود وقد يصاحبه طيلة حياته عبر سلسلة من الرغبات والقناعات والميولات المكتسبة كالدينية منها أو القومية أو العرقية أو الإثنية أو غيرها عبر مسيرته الحياتية ،وقد يضطر المرء إلى الانتقال من منشئه الأصلي إلى فضاء أرحب  يوفر له أسباب العيش الكريم والحياة السعيدة  وقد يتفاعل مع محيطه الجديد تأثرا وتأثيرا مما يمكنه من امتلاك هوية مرنة مكونة من عناصر قبلية وبعدية تساهم في تشكيلها معايير خاصة تختلف بين شخص وآخر و سواءا تعلق الأمر باللغة أو المعتقدات أو نمط العيش أو العلاقات العائلية فإن هذه التأثيرات تختلط  بالموروثة عنده من الأجناس العربية أو البربرية أو المسلمة لتؤلف  تجربة غنية وخصبة إذا أحسن استغلالها في حياته ضمن المجتمع الحاضن ،غير أن الهوية رغم التراكمات التي تساهم في إغنائها وإثرائها لا تقبل التجزؤ لدى الفرد ، فلا يجب أن يرى في مسيرته الجديدة ما يسبب له اضطرابا كلما أثار قضية الانتماء على أنه خائن أو مرتد، فالوطن قبل أن يصبح كيانا ماديا فهو إحساس وشعور بما يتيحه من مزايا نفعية  للمواطن كالحياة الكريمة والعيش الرغيد وتوفير الأمن والأمان

إلا أنه لا ينبغي على الهويات أن تفرض على الأشخاص كيفما كان نمط النظام الذي يؤطر المواطن  بل هي شعور تكتسب وتترجم إلى سلوك مبني على جدلية الإقناع والاقتناع  عبر مناهج  وبرامج تربوية  داخل البيت والمدرسة  لتجاوز بعض الاختلالات والهفوات في الهوية الوطنية بالنسبة للأجيال الناشئة في المجتمع الحاضن والعمل على إزالة الغموض وتوضيح الصورة بالنسبة لأولياء الأمور خصوصا فيما يتعلق بصياغة هوية تتجاوز الصراع والتنافر بين ترسبات الهوية المنشئية والهوية  التي تشكلت في محيط تسوده ثقافة أخرى مختلفة عن ثقافة الأم ،تكون قابلة للتعايش في المجتمعين ولذلك ينبغي العمل على توفير هوية مرنة

تجعل منها ثروة لخدمة المجتمع الأصلي والمجتمع الحاضن والعمل على حمايتها من الضياع والتشتت أينما حلت وارتحلت  لذلك يجب العمل على إدماج الجيل الجديد داخل المجتمع الذي ولد وتربى فيه ولا نحاول عزله عنه  لأنه يعتبر أكثر انتماءا للوسط التي ترعرع فيه من انتمائه للمجتمع الذي انحدر منه أسلافه ،فهي حالة يمكن اعتبارها طبيعية بحكم الظروف الموضوعية التي يعيش فيها الجيل الثاني والأجيال اللاحقة

إن الاختلاف الديني والثقافي خصوصا عند الجالية المسلمة في الديار الأوروبية لا ينبغي أن يقف عائقا أمام مشكل الاندماج بل ينبغي اعتباره من  العوامل التي تساهم في العيش والتعايش مع الآخر على أُسس تُكَوّْنُ قَواعدَها  على الحق والواجب و الاحترام المتبادل  والأخوة بين الجميع، وقبول  الاختلاف في الرأي والعقيدة  فهناك من الشباب من استطاع أن يتبوأ مكانة مهمة في المجتمع الغربي على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وعليه فان الحديث عن فشل الاندماج أصبح متجاوزا.

 MOULILA BENYOUNES–ALMAGNE

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.