Home»Débats»جرادة : بين الحراك والاستجابة يكمن شيء اسمه التنمية .

جرادة : بين الحراك والاستجابة يكمن شيء اسمه التنمية .

2
Shares
PinterestGoogle+
 

الحراك هو ظاهرة مجتمعية تعرفها جميع المجتمعات وهو ارقى الصور في التعبير الشعبي عن هموم السكان لأنه  يتحرر من اية وساطة سياسية واجتماعية ، وما يميزه انه نقطة تلاقي جميع الفئات الشعبية نحو قضية او قضايا معينة تعتبر المشترك في معضلة اقتصادية واجتماعية وحقوقية وحتى سياسية تختلف حسب السياق وحسب المنطقة ، ويتنوع في اشكال التعبير، لهذا السبب لا يمكن وضع تقييم الا في حدود مرحلة معينة  لنتائج الحراك لأنه ليس له مدى زمني فهو يتجدد كلما توفرت الشروط الموضوعية لانبعاثة – تونس نموذجا –  لم يعد بالامكان  استيعاب الحراك من خلال مقاربة امنية صرفة لأن الحراك في الغالب اصبح  يتغيا مطالب تنموية محددة  ما يقتضي فهم بواعث الحراك وحسن التجاوب المجتمعات معه انطلاقا من اجابات اقتصادية واجتماعية .

ما يخص حراك جرادة يمثل البديل الاقتصادي النقطة المركزية لهذا الحراك ، وقد توفرت شروط موضوعية من حيث التهميش والفساد الاداري وضياع الحقوق والبدائل العشوائية التي تتسبب في الاستغلال من جهة ومن جهة اخرى المعاناة لجزء كبير من فئات معينة من الساكنة – المرأة نموذجا – نظرا لخصوصية المدينة ، الى امور اخرى تتعلق بالتشغيل والصحة والبنية التحتية …  والتي كانت ترفع من منسوب الاحتقان ، ما مثل وضعا اقتصاديا واجتماعيا غير سليم ومشوه . في الغالب تكون اهداف الحراك عامة غير واضحة داخل فورة الغضب ولا تظهر بشكل صريح الا بعد ان يتبلور كشكل احتجاجي اجتماعي  .

نجح الحراك في أن أعاد جرادة الى الواجهة من حيث المطالب الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والمجالية ، فقد ظلت جرادة بدون رؤية تنموية رسمية ما عدا بعض التدابير العامة العادية والبسيطة على مستوى البنية التحتية ، بمعنى تدبير شؤون المدينة والاقليم عامة دون النظر الى افق تنموي يستفيد من الامكانات التي توفرها المنطقة المعدنية والسياحية والبشرية ما يعني وجود فراغ من حيث الاستراتيجية ومن حيث البعد التنموي في عقلية المسؤول ،  والحال ان اغلب ما انجز في جرادة من « مشاريع » أصيب بالشلل … ما كان يتسبب في الاحتجاج الا ان نقطتين كان لهما وقعهما الكبير داخل حركية الاحتجاج : فواتير الماء والكهرباء وحوادث الموت بآبار الفحم . هذان المعطيان شاءت الصدف ان يلتقيا في لحظة واحدة  ، سبق وأن عرفت جرادة حركة احتجاجية قوية بعد طريقة اعتماد احساب الفاتورة التي طبقت في عهد حكومة بنكيران والتي تسببت في احتجاجات على المستوى الوطني وكانت جرادة ضمن هذه الاحتجاجات حيث سجلت اكبر فورة احتجاجية بجرادة تجاوزت في حجمها اول احتجاج ل 20 فبراير. وقد اعتبر الكثيرون ان طريقة احتساب الفاتورة التي لم تراع الواقع الاجتماعي للفئات الهشة ما سيبقي الوضع مشحونا ، ورغم اتخاذ الحكومة السابقة بعض الاجراءات المحدودة ، فلا تزال العديد من المدن تسجل احتجاجات بالنسبة لهذه النقطة – وجدة نموذجا  – فلم تراع الوضع الاجتماعي للأسر المغربية لأن طريقة الاحتساب السابقة باعتماد الأشطر كل شطر منفصل عن الآخر كانت منصفة نسبيا . ولأن الناس تعايشوا مع ذلك النموذج لسنين ، ولم يحصل ان وقع احتجاج ، حينها لاحظ البعض بانه يجب اعادة النظر في ما يتعلق بطريقة احتساب الفاتورة الحالية  كون ان الوضع الاجتماعي للأسر سيتضرر بالنظر الى الواقع الاقتصادي المنغلق حيث توجد الهشاشة والفقر، ومن الطبيعي ان مدينة جرادة التي تصنف حسب الاحصائيات من افقر المدن نتيجة البطالة وانغلاق الأفق الاقتصادي وضآلة التعويضات التي تتوصل بها الأسر وهزالة الدخل لعمال آبار الفحم والنساء العاملات حيث الاجر يتراوح بين 40 و70 درهما في اليوم سيؤثر على كلفة المطالب والمصاريف ، وسيصبح الأمر قاسيا بالنسبة للأسرالتي لها دخل محدود جدا ،  وبالتالي مقايضة انقاد شركة على حساب جيوب المواطنين سيطرح مشكلة عويصة كون ان الماء والكهرباء مادتين حيويتين لا يمكن الاستغناء عنهما .

الأمر الثاني بالنسبة لكوارث الموت بالآبار التي كانت تخرج الناس الى الاحتجاج امام عمالة الاقليم ، كون ان الناس لم يجدوا من بديل اقتصادي غير الاشتغال العشوائي داخل الآبار بطرق بدائية تعرض الناس للموت في غياب اي تامين اجتماعي للأفراد وللأسر حيث الاستغلال يتم داخل منظومة للريع تخدم مصالح فئة معينة بينما الفئة الهشة من عمال ونساء ترى انها مستغلة ومستعبدة لصالح تلك الفئة التي تراكم الاموال ، وبالتالي كانت كوارث الموت تخرج الناس الى الاحتجاج ، وكان هذا الاحتجاج يقتصر على مطالب بسيطة لأسر الضحايا ، سرعان ما كانت تلك الاحتجاجات تخبو وتعود الحياة الى طبيعتها في انتظار كارثة اخرى ، لكن مع استمرار الضحايا بدأ يتبلور مطلب البديل الاقتصادي محتشما من خلال الاقتراحات التي كانت تعقب الاحتجاجات ، وبدأ يتبلور منظور معاكس للاستغلال وضامن لبعض الحقوق كالتأمين والتغطية الصحية ، من هنا انبعث مطلب المحاسبة منذ اهمال البديل الاقتصادي الذي تم الاتفاق عليه بعد الاغلاق  في علاقة ذلك بالظروف التي وفر الاستغلال على حساب عرق العمال ودمائهم ، والغريب ان جواب الوزير الرباح حول هذا السؤال من خلال برنامج على احدى القنوات عبر عن قصور في فهم طبيعة المحاسبة المطالب بها ، والحال ان الزلزال الملكي في ما يخص الحسيمة مس كل الجوانب بما فيها جوانب القصور فيما تعلق بتعثر المشاريع المبرمجة . وبالتالي اتفاقية البديل الاقتصادي كانت مسؤولية نحو المدينة بعد الاغلاق .

ومن غريب الصدف ان اسباب  الاحتجاج الرئيسية  تلتقيان في لحظة اجتمع فيها الاحتجاج حول الماء والكهرباء والاحتجاج الذي تسبب فيه موت شقيقين داخل بئر للفحم ما جعل منسوب الاحتقان يصل الى الخطر الأحمر وكان الشرارة لانطلاق حركة احتجاجية موسعة تحولت الى حراك اجتماعي ستشارك فيه كل الفئات الاجتماعية الهشة على رأس ذلك عمال ابار الفحم والنساء ومرضى السيليكوز والشيوخ المتقاعدون والشباب المعطل حيث التقى الجميع حول مطلب رفع التهميش من خلال بديل اقتصادي … هذه الفئات المهمشة وعلى راسها المرأة بجرادة نظرا لطبيعة المدينة الذي صنعت الأرامل والايتام رفضت اية وساطة من الاحزاب السياسية والنقابات والنخب المنتخبة والتي تحملها جزءا من المسؤولية فيما آلت اليه مدينة جرادة ، وفقدانها الثقة في العملية السياسية التي تدار بالمال امام انظار ومباركة السلطة ، مما شكل في ذهن المواطن ان العملية السياسية ليست ذات جدوى ما دامت تحسم بعيدا عن الاختيارات الصحيحة للناس فجعلت من الأباطرة ممثلين للمدينة والاقليم !!!

الاحتقان المتراكم الذي كان يختمر بفعل مجموعة من العوامل من تهميش واستغلال ونفوذ وفساد إداري ، ولم تؤخذ الاحتجاجات التي كانت تعبر عنها الساكنة بمختلف الاشكال بالاهتمام الكافي ، سواء مطالب التشغيل التي كان يقوم بها الشباب او مطالب محاربة الفساد حينما تقدمت بملفات فساد الى محكمة جرائم الاموال بفاس ، او الكشف عن انواع الخروقات التي كانت تطال المدينة  ، او ما تعلق بتركة مفاحم المغرب ، الى درجة  ان الشباب كلف نفسه عناء الذهاب الى السعيدية لخوض معركة مطلبية لاسترداد مخيم السعيدية التابع لشركة مفاحم المغرب والذي اصابه التآكل وتحولت ساحته الى مزبلة كبيرة في قلب مدينة سياحية وفي مواجهة عمليات السطو عليه وعلى محيطه حيث نبتت بنايات اصحاب الحال ، الله أعلم بمن رخص لها ذلك !!! ونعجب كيف استفاق بعض المسؤولين وتذكروا اليوم هذا الملف ، فوضعوه ضمن ما ستناقشه احدى الدورات محليا !!! وبالتالي الحراك توج مرحلة من الغضب الشعبي … في استمرارية لنوع من النضج نوع المطالب البسيطة والمشروعة للمواطن المغربي .

… نجح الحراك في ابراز النضج المجتمعي نحو التأسيس لشكل جديد من النضال المجتمعي السلمي الشمولي الذي جعل المرأة الجرادية المعروفة بالمحافظة والحشمة  تترك مطبخها لتخرج الى الشارع , وما الذي سيدفعها لحمل طفلها والسير حوالي 7 كلمتر على الارجل اذا لم يكن هناك ما يدفعها لذلك الى جانب الشيخ والشباب والأطفال … تحت المطر والثلج والزمهرير …

نجح حراك جرادة في تثبيت مفهوم السلمية التي بدأت مع حراك 20 فبراير ، هذه الثقافة الجديدة التي بدأت تترسخ داخل المجتمع المغربي ، هي أهم استثمار يجب الحفاظ عليه من جميع الأطراف ، ولهذا الرهان اصبح هو رهان نحو التنمية من خلال تعاقد مجتمعي سيؤسس لمشروع تنموي جديد يلتقي فيه المواطن مع اعلى سلطة في البلاد .

نجح حراك جرادة في رفع ظلمة كانت تحيط بعنصر فعال في المجتمع المغربي الا وهو المرأة التي اصبحت  عنصرا فعالا داخل الحراك نظرا للوضع المأساوي الذي تعيشه المرأة المغربية والمرأة الجرادية على الخصوص ، فقد برزت منذ الوهلة الأولى كمعطى حاضرا بقوة داخل الحراك ، بل ان نساءا ساهمن في اعطاء الحراك كل هذا الزخم ، هذا الحضور ليس عفويا او مفتعلا من طرف اي قوة سياسية ، بقدر ما يدل على نضج داخل المجتمع المغربي ، لأن احساس المرأة بالمسؤولية في ضمان العيش للأسرة كان له وقعه النفسي .

نجح الحراك منذ البداية في الحسم في الوطنية بالنشيد الوطني والاعلام الحمراء الموحدة ورموز الوطنية  ، فان طبيعة المدينة التي استقطبت كل القبائل والجهات للعمل بها حتى تحولت الى مغرب مصغر حيث داخل المدينة بالخصوص  تتلاشى القبلية والانتماءات لصالح روابط الوطنية والانتماء للمدينة هو ما رفع من منسوب الالتفاف حول قضايا المدينة  ، ومن خلال استعراض الذين يشتغلون بالآبار او الضحايا نجدهم يتوزعون على اغلب الجهات المغربية آخر ضحية من قلعة السراغنة والذين استقروا بالمدينة …وبالتالي الرابط الوطني كان اعمق ما جعل الالتفاف حوله يكون بارزا …

وفي الوقت التي تم فيه التعامل مع الحراك بنوع من الحدر والمراقبة ، في انتظار تآكله بفعل الانتظارية والزمن ، فلقد لوحظ ان الحراك ظل صامدا في الشارع وبكم كان يتزايد ويتوسع باستقطاب فئات مهمشة اخرى .

هناك اعتقاد سائد ان الحاجة الى بديل تنموي اصبحت تفرض نفسها بقوة للقطع مع سياسة لم تنتج الا الأزمات ، فهل يتوفر للمسؤولين الفهم الكافي لمعنى المشروع التنموي الاستراتيجي من منطلق تصحيح المسارات على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد من اجل تقليص  الفوارق الاجتماعية ، والقطع مع التفاوتات المجالية .  ولقد اثبتت الثلوج التي تساقطت على البلاد وقبلها الأمطار الطوفانية العزلة الكبيرة التي تتعرض لها مناطق من المغرب المنسي .

 ماذا كان سيضر رئيس الحكومة ومرافقيه لو كلفوا انفسهم ساعات للنزول والاستماع الى مطالب السكان وان كانت معروفة ، انسجاما مع خطب صاحب الجلالة الداعية الى الانصات الى هموم ومطالب المواطنين ، فملك البلاد نفسه قام بزيارات عدة الى جرادة وعمل على وضع لبنات لاقلاع تنموي ومن بين ذلك تدشين الحي الصناعي سنة 2012 لتقام عليه مشاريع ، ونتعجب كيف عاد رئيس الحكومة للحديث عنه اليوم بدل الحديث عن اسباب متابعة تدشينات صاحب الجلالة وغياب الارادة في احترام ما برمج للمدينة سابقا واسباب غياب المتابعة لتلك الارادة ، وكيف تحول الحي الصناعي الى منطقة استغلال  ، وعن التنمية البشرية التي اصبحت في خبر كان فتحولت الى مرتع لجمعيات متهافتة صارت تتهرب من مسؤولياتها اليوم  وتلقي بها على الدولة …

كان يمكن تبني العديد من المقترحات التي اجتهد ابناء جرادة  في طرحها لتجاوز هذا الاختناق وفتح باب الأمل ، وهي مقترحات بسيطة وفعالة ومستعجلة لصالح مواطنين يعدون بالآلاف ليس لهم من مورد عيش يعولون به ابناءهم ويمكنهم من تسديد كلفة فواتير تثقل كاهلهم …

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.