Home»Débats»نماذج من الممارسات الإدارية والحزبية المنحرفة التي انتقدها خطاب العرش ( الحلقة الثانية الخاصة بالإدارة )

نماذج من الممارسات الإدارية والحزبية المنحرفة التي انتقدها خطاب العرش ( الحلقة الثانية الخاصة بالإدارة )

1
Shares
PinterestGoogle+
 

نماذج من الممارسات الإدارية والحزبية المنحرفة التي انتقدها خطاب العرش (الحلقة الثانية الخاصة بالإدارة )

محمد شركي

ذكرت في مقالي السابق نماذج من ممارسات بعض المسؤولين الإداريين المنحرفة التي التقى العرش مع الشعب في انتقادها كما كشف النقاب عن ذلك خطاب العرش الأخير . وسأحاول في هذا المقال مواصلة الحديث عن الممارسات المنحرفة الخاصة بالموظفين في القطاع العمومي . وفي البداية لا بد من الإشارة إلى أن ممارسات المسؤولين المنحرفة في القطاع العمومي تعتبر عاملا رئيسيا في ممارسات الموظفين المنحرفة . وإذا كان حديث  » كما تكونوا يول عليكم  » قد ضعفه أهل الحديث ،فإنه  يصح حين يتعلق الأمر بالمسؤولين والموظفين في القطاع العمومي عندنا ، وذلك باعتبار ممارساتهم المنحرفة التي يترتب عنها استشراء الفساد في هذا القطاع، وتعطيل مصالح المواطنين ،الشيء الذي يخلق الاحتقان في الوطن .

 ومن نماذج الممارسات المنحرفة عند  بعض الموظفين في القطاع العمومي على اختلاف السلاليم  التي يرتبون فيها  غياب  ما يسمى بالضمير المهني الحي  حيث ينحصر انتماء الموظف إلى الإدارة في ترقب  الحصول على الراتب نهاية كل شهر بغض الطرف عن قيمة هذا الراتب ذلك أن  قيمة بعض الرواتب في القطاع العمومي  هي السبب الرئيس وراء غياب الضمير المهني وسيادة ثقافة الغش والتهاون . وبالرغم من أن الأمر يتعلق بغياب الضمير المهني ، فإن الموظف يموّه على ذلك بالتماس الذرائع  الواهية لتبرير موقفه الذي لا مبرر له ، ويسوق مبرراته في شكل طروحات يتكلف بسطها والإفاضة فيها ، ويتظاهر بحب الوطن والغيرة عليه  بل يتباكى على سوء أحوال الإدارة التي يعمل بها . وتماما كما ينسب المسؤول الفاشل النجاح إليه ، والفشل إلى الموظفين العاملين معه ،ويتبرأ منهم براءة إبليس من ذنوب العباد يوم الدين ، ينسب الموظفون المتهاونون أيضا النجاح إلي أنفسهم، ويصفون أنفسهم بجنود الخفاء الذين يعملون بتفان و نكران ذات ، وفي المقابل يحمّلون المسؤول  عنهم الفشل ويردونه إلى سوء تدبيره. وحين يتعطل الضمير المهني لدى الموظف أول ممارسة تصدر عنه هو محاولة  اختزال وقت عمله في أقل حصة زمنية ممكنة . وقد يبرر ذلك بقيمة الراتب الذي يحصل عليه ، ويرفع شعار  » سأعمل حسب قيمة الراتب الذي يصرف لي  » ولا يجد حرجا في تقدير زمن عمله  المقابل لما يصرف له، يفعل ذلك دون أن  يشعر بخجل وكأنه يملك المقياس الدقيق الذي لا يأتيه نقصان من بين يديه ولا من خلفه  لقياس العمل والأجر المؤدى عنه . وقد يعمد إلى مقارنات لا تستقيم ،فيقارن ما  يقوم به من عمل في قطاعه بما يقوم به غيره في قطاع آخر وإن اختلف القطاعان واختلفت المهام اختلاف ليل مع نهار . ويدّعي  الموظف المنعدم الضمير المهني أنه وحده الذي يقوم بواجبه على الوجه الأكمل ، وأن غيره متهاون وغشاش ، ويدعي أنه يطعم أولاده اللقمة الحلال، وهو الذي لا تحل له  في الحقيقة سوى لقيمات في اليوم لما يهدره من وقت  حين يكون في وظيفته، الشيء الذي  يترتب عنه التهاون  الصارخ في العمل وبذل أدنى وأقل مجهود ممكن .

وقد يظل الملف الواحد  والذي يمكن أن يصفى خلال دقائق رهينة لدى الموظف المتهاون لأيام عدة  لا ينفض غبار يديه منه لأنه يجد فيه الذريعة لتضييع الوقت كما تفعل فرق كرة القدم حين تكون مصلحتها في ربح الوقت  ويتوقف لعبها إما  بسبب أعطاب وهمية يدعيها بعض اللاعبين أو بسبب تعمد بقاء الكرة خارج نطاق الملعب أطول مدة ممكنة ،وهو ما يتنبه إليه الحكام  فيلوحون في وجوههم بالبطاقات الصفراء وحتى الحمراء أحيانا . ولو وجد حكام يديرون  لعب الوظيفة العمومية  لأخرجوا من البطاقات ما لم يخرجه حكام لعبة كرة القدم منذ اختراع هذه اللعبة . ومن ممارسات الموظف المتهاون الالتحاق المتأخر بالعمل والانصراف المبكر منه ، وإذا سئل عنه قيل إنه في مهمة خارج الإدارة وسيعود قريبا مع أنه لا يكون  لعودته قرب أبدا في غالب الأحيان. ومن ممارسات الموظف المتهاون كثرة  غيابه برخص نادرا وبدونها غالبا، فهو دائم التمارض ، وإن لم يصرح بمرضه صرح بمرافقة مرضاه  إلى العيادات والمستشفيات. وقد يتعطل عن العمل لأنه لم ينم ليلته حسب ما يدلي به من مبررات  قد تصح نادرا، ولا تصح في معظم الأوقات . ويتوقف عمل الموظف المتهاون على الظروف المناخية، فهو يتغيب إذا أمطرت وإذا اشتد الحر . ويتوقف عمله أيضا على  وسائل النقل العمومية أو الخاصة، فإذا ما تعطلت تعطّل عمله بعطلها . ولا يقبل الموظف المتهاون أن يقدح أحد في مبرراته وذرائعه ، فهو دائما على صواب . ومن ممارسات الموظف المتهاون الاتكال على غيره من الموظفين ، وأشقى الموظفين صاحب الضمير الحي مع زميله من عديم الضمير حيث يلقي إليه بأثقل حمل ، ويحمله عبء مهامه الواجبة عليه ،وفي المقابل يتندر به ويسخر منه ويظن به البلادة والغباء بينما يظن  بنفسه  الشطارة والدهاء والذكاء . والموظف المتهاون يحب أن يحمد بما لم يفعل ،فهو يرفع دائما شعار :  » قتلنا الثعبان  » وهو لم ير قط ثعبانا . والموظف المتهاون يترقب على الدوام الترقية والتعويض مع أنه لا يوجد داع لترقيته ولا مبرر لتعويضه ، ومن كان مرتبه سحتا لتهاونه ،فتعويضاته تكون أكثر من سحت . والموظف المتهاون يرى دائما أنه لم ينصف وأنه أولى وأجدر بالمسؤولية من مسؤوليه . والموظف المتهاون شغله الشاغل هو الكيد  الدائم للموظف الجاد  والبحث عن جرّه إلى عقيدة التهاون التي يتبناها حيث يبدو أحيانا ناصحا له يحذره من آثار العمل المتواصل على صحته وحياته  وعلاقته بأهله وبنيه ، فإن لم  يسمع نصحه عمل جادا على عرقلة عمله ، وحرص على الوشاية الكاذبة به لدى المسؤول خصوصا إذا كان هذا المسؤول من الصنف الذي تحدثت عنه في المقال السابق . ومن مواصفات الموظف المتهاون الحسد والحقد فويل لزميله المواظب  على عمله الجاد والمخلص والمتفاني فيه .  والموظف المتهاون يترقب الإحالة على المعاش في وقت مبكر وقبل أن  تبدو ملامح وقت إحالته عليه بزمن معتبر، وهو يهدد بتقديم استقالته كلما نبّه إلى تهاونه ، وحين يحين موعد معاشه لا يخجل من الفخر ببلائه الحسن في عمله وإخلاصه وتفانيه فيه ، وهو الذي لم يبل  بلاء ، ولم يخلص، ولم يتفان قط. ويحمل الموظف المتهاون فترة عمله مسؤولية ما يصيبه  من علل  في آخر مشواره ، والواقع أن علله إنما هي عقاب من الله بسبب غشه وتهاونه . ويحب الموظف المتهاون حين يحال على المعاش أن تكرمه إدارته وزملاؤه في العمل ، وأن يمتدح ولو كان المديح محض كذب وافتراء  يكون على يقين تام منهما ، ويحرص على أن تلتقط له صور وتوثق لحظات تكريمه ، وقد يذرف دموع التماسيح وهو يغادر الوظيفة التي لم يخلص لها قط ، ولا يخجل من ادعاء فضله على الوطن والمواطنين وعلى زملاء العمل ، ويتكلف إسداء  النصح لمن خلّفهم  بعده خصوصا الجدد منهم ، ويقوم  بالدعاية لثقافة التهاون التي يعتبرها جديرة بالاقتداء والمحاكاة .

هذا غيض من فيض من نماذج ممارسات الموظف المنعدم الضمير والتي تخرب الوظيفة العمومية ، و تدخل ضمن ما جاء في  نقد خطاب العرش لهذه السنة . ونأمل أن تغيب هذه الممارسات المنحرفة من القطاع العمومي . ولئن كان انضباط العاملين في القطاع الخاص لا يمكن أن يعد  كله إخلاصا في العمل بل  في الغالب  يكون نتيجة  الخوف من المحاسبة و اتقاء للمساس بالجيوب ،ومجرد طمع في الامتيازات، وهو ما لا ننصح بالاقتداء به  أبدا ،فإنه يجدر بالعاملين في القطاع العام أن يخلصوا في عملهم  خوفا من ربهم ،وحبا في وطنهم، وخدمة لمواطنيهم .

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.