كرسي حقيقي و كرسي من أحلام


    


الرغبة الجامحة و الملحة في الكرسي و الحكم هي الرابط و المشترك بينهما.فلا أهمية للكرسي بلا حكم   و العكس صحيح.الكرسي في البلدان الغربية متعب ومرهق جدا ،و قد يقود صاحبه إلى نيران الزنزانة،و يصبح انتقالا من الوجاهة إلى كرسي المهانة.خاصة إذا آتى يوم الحساب و اكتشف المحاسبون زلة من زلات الجالس على الكرسي،فان مؤسسات المجتمع المدني لن تطفأ نار غضبها إلا بالقصاص المهين ،لذا عندما سئل  الوزير الأول السيد Dominique    de Villepin  عن سبب امتناعه عن الترشح لرئاسيات الجمهورية الفرنسية،أجاب انه أي شخص عمل في الحكومة لولايتين ،لا يصلح أن يبقى في الحكم:فليس لديه ما يقدمه للمواطنين، فكفاءته وجهوده و تفكيره كله استنفذ في فترة مسؤوليته.مع العلم أن السيد (دومينيك) يدير الآن مقاولات،و يرى انه من غير اللائق الجمع بين وظيفتين (اقتصادية و سياسية) في نفس الوقت.في الوقت الذي نجد  مسئولين يجمعون بين عدة مهام ومسئوليات ووظائف .فمادامت كل مسئولية تذر عليه دخلا،فما المانع من ذلك؟

مغادرة الكرسي لانعدام الكفاءة و العجز عن القيام بالمهمة أو عدم القدرة أن يقدم المسئول أي قيمة مضافة للمواطنين،هي من الطابوهات التي لا ينبغي الخوض فيها .مغادرة الكرسي بكرامة و الاستقلال عنه يعتبر من الجرائم في البلدان المتخلفة.فكم من رئيس دولة جمهورية  دام في الحكم 50 سنة ثم ورثه لابنه من بعده؟ مثلا تولى عمر بونغو رئاسة بلاد الغابون منذ 1967 إلى حدود  وفاته سنة 2009،ثم تولى خلافته ابنه منذ ذلك الحين إلى اليوم.حتى أطلق عليها الفرنسيون ب (مملكة عائلة بونغو).

المنصب عند إخوتنا العرب تشريف و ليس تكليفا. و الكرسي مريح و فسيح و يدور في كل الاتجاهات و يمكن أن تجعل منه (مرجحة أو طاكسي الغرام تنقلك من مكان إلى مكان داخل المكتب)فالمهام الوزارية  بالكراسي تزيين للمشهد السياسي لا غير.و لا يطلب من الوزير العربي ان يفكر في حل المشاكل، و ليس عليه أن يبدع بل عليه أن يجلس على الكرسي شرط ان يضع عقله مع المثلجات …فالمشاكل تحل لوحدها بنسيانها أو بإلغائها.كل ما يستطيع عقله أن يفعله هو أن ينقل تجارب الآخرين الناجحة في موطنها، جاهزة بترابها(عصفور في القفص خير من 10 خارجه) و يكون تطبيقها سيئا فلا تحقق نتائج.الأمم الراقية تعرف أن  لها المادة الرمادية و لها قدرة على التفكير و البحث و لنا الجماجم العظيمة مغلفة بالعضام و ليس فيها تهوية.وعندما تعجز  هذه الأمم عن تكوين علماء و باحثين و مفكرين تدق ناقوس الخطر ويسرع إليها  الخراب و الفناء.

لا يغيب عنا أن الأمم الراقية هي في سباق محموم و مسعور في السعي إلى التقدم و الاكتشافات و الاختراعات.فالعمر عندهم لا يقاس بالسنة و الشهر و اليوم، بل بأجزاء الثانية.شعارهم في الحياة (من جد وجد ومن زرع حصد)، ومن تكاسل مات جوعا.انه نقيض فلسفة الحياة عندنا، فالكسل مقدس، وانتظار الفرج فرض عين،(ففي التأني السلامة و في العجلة الندامة) ،(و اللي بغا ينجح العام طويل) (و لا زربة على صلاح) و (اللي زربوا ماتوا)، و كما قيل على لسان الحمار (التبن و الراحة و لا الشعير و الفضيحة)….

من  يحب النوم يبحث عن الأحلام،و من يبحث عن الاستلقاء و الاسترخاء تحت أشعة الشمس يبحث عن أحلام اليقظة (تشميسة خير من تخميسة).وهناك مؤسسات اختصاصها بيع الأحلام للمتهاونين شارك في القرعة  تربح سيارة أو عمارة آو رحلة إلى جزر الواقواق)…إعلانات يسيل لها لعاب المحتاجين…لا ننكر أن العرب  مغرمون بالحلول السهلة (انظر كيف يتصرفون إزاء احتجاجات و مسيرات المواطنين السلمية …دائما الهراوات حاضرة لتفي بالغرض و تحل المشكل بسرعة قياسية،و لا تحل بالحوار و الاستماع إلى هموم المحتجين  ومحاولة إيجاد الحلول لها).

الحلول السهلة هي ما نلجأ لها  في كل الميادين التي تتطلب برامج وتفكير عميق وخبرة عالية ، لكن الحلول السهلة قد نسرقها من الآخرين بالمجان و بلا جهد ونطبقها في التعليم و الاقتصاد و قضاء الأسرة و مدونة الشغل و السير،و الصحة الإنجابية…الحلول عندنا أن نجلس على الكرسي الأسود الفخم العريض(نبرز فيه هبة المنصب)  ونحلم أننا نحل المشاكل فتحل من تلقاء نفسها… يا سلام عليك يا أحلام…بك نحل كل المشاكل التي استعصت على القوم المفكرين… 

صايم نورالدين


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*